كل عام والذاكرة تعود إلى الوراء لأكثر من عقد من الزمن، ونتذكر المآسي والألم الذي حل بالقضية الفلسطينية بعد أن كانت في متصدر وأولويات اهتمام الأمة العربية والإسلامية في الدعم المعنوي والمادي والوقوف معنا، إلا أنه مع الأسف عدم تقارب وجهات النظر وتوحيد المسار والبوصلة، ورفع الأخ سلاحه في وجه أخيه الفلسطيني الذي يشاركه في الجرح والألم، واستخدام لغة القوة والسيطرة على سدة الحكم وغيرها الكثير، جعل القضية الفلسطينية تهمش من القريب قبل البعيد، والأمر من ذلك التآمر عليها لإنهاء القضية الفلسطينية نظرًا لحالة الضعف الذي أوصلتنا إليه خلافتنا السياسية فيما بيننا وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة الكل الفلسطيني.

فالبعض في يومنا هذا من أبناء شعبنا وبعد 14 عامًا من حالة الانشقاق والانقسام بين شطري الوطن الواحد، لماذا نتذكر ونفتح الدفاتر القديمة السوداء من تاريخ قضيتنا الفلسطينية وطي تلك الصفحة دون تذكرها؟!، ألا يعلم العقلاء من أبناء شعبنا أن تلك الصفحة كانت السبب في تدمير أجيال كانت تحلم بغدٍ ومستقبل أفضل لها، لتأتي تلك الصفحة التي قتلت تلك الأحلام ودفنتها في مقابر الأموات دون العودة مرة أخرى لها.

فحالة عدم الانسجام والمشاركة السياسية في القرار الفلسطيني والوطني، خلف كل تبعات ذلك، منذ انتخابات عام 2006 م وفوز حركة حماس بأغلبية ساحقة وخسارة حركة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني، ليتولد بعدها الخلافات وعدم القبول بالنتائج من الطرف الأخير وتطبيق ذلك على أرض الواقع، ولو أن حركة فتح قبلت بذلك وتشارك الطرفان وشكلت الحكومة التي كان يرأسها أنذاك رئيس المكتب السياسي لحركة حماس حاليًا إسماعيل هنية لما وصلت الأمور بين الجانبين إلى حالة التنافر ولعم بذلك الديمقراطية والأجواء الإيجابية السائدة داخل المجتمع الفلسطيني بين الكل الفلسطيني، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة الحزبية بالسيطرة على المشهد الفلسطيني.

وحسب إحصائية قامت بإعدادها الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان، فقد كانت نتيجة الأحداث والفلتان الأمني خلال الفترة المتراوحة بين يناير (كانون الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2006 قتل نحو 322 فلسطينيًا منهم 236 في قطاع غزة و86 في الضفة الغربية، كانوا ضحايا المشهد المأساوي من تاريخ شعبنا الفلسطيني.

فمبادراتٌ هنا ومبادراتٌ هناك، حتى في أقدس بقعة وهي مكة المكرمة «اتفاق مكة» عام 2007، الذي لم يكتب له النجاح والتطبيق على أرض الواقع، لتعود حالة التوتر بين الطرفين من جديد وهو ما انتهى به المطاف إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة والذي أسمته آنذاك «الحسم العسكري»، وفرض السيطرة من قبل حركة فتح على الضفة الغربية والذي أسمته «الانقلاب الحمساوي»، واستمرت عمليات القتل والخطف والاعتقالات بين كلا الجانبين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب التراشقات والاتهامات المتبادلة والتخوين وغيرها.

الورقة المصرية واتفاقيات أخرى

وبعد اتفاق مكة الذي كان في عام 2007م لأكثر من عامين وتحديدًا في أوائل 2009 وبعد انتهاء الحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، تجددت الوساطة بين الفصائل لتكون هذه المرة مصرية حيث أعدت القاهرة خلاصة أفكارها فيما باتت تعرف بـ«الورقة المصرية» وطرحتها في سبتمبر (أيلول) 2009، حتى سارعت حركة فتح للتوقيع عليها لكن حركة حماس قالت أنها بحاجة إلى وقت لدراستها قبل أن تطلب إدخال تعديلات عليها، لكن السلطات المصرية رفضت الطلب، وهو ما أدى إلى تجميد الأمور من جديد لشهور طويلة، وحوار دمشق الذي لم يعقد وتبادل الطرفين الاتهامات والمسؤولية عن تعطيله، وكان آخرها اتفاق عام 2018م الذي وقعه الطرفان عبر الوسيط المصري لكنه لم يكتب له النجاح بعد أسابيع على أرض الواقع بعد عدة أشهر على توقيعه.

ونذكر لكم كل الاتفاقيات والمبادرات التي سعت لإنهاء الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس وتوحيد شطري الوطن الواحد: «إعلان القاهرة 2005، وثيقة الأسرى 2006، اتفاق مكة 2007، اعلان صنعاء 2008، محادثات سلام فياض 2009، محادثات 2010 في القاهرة، اتفاقية القاهرة 2011، اتفاقية الدوحة فبراير/ 2012، اتفاق القاهرة مايو/ 2012، اتفاق الشاطئ 2014، محادثات الدوحة 2016، عودة الجهود المصرية بالقاهرة 2017، تنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين وتسليم كافة المعابر 2018 الذي فشل في تحقيقه على أرض الواقع لتعود السلطة وتسلمه إلى حماس مرة أخرى وتعود الخلافات من جديد إلى المربع الأول دون تحقيق الجهود المصرية في إنهاء هذا الملف».

فجل هذه المبادرات السالفة الذكر لم يكتب لها النجاح بعد توقيعها إلى أرض الواقع بأسابيع وأشهر قليلة، فإلى متى يأتي الأوان من قبل الطرفين لإنهاء الانقسام الفلسطيني والخلافات السياسية العقيمة بين حركتي فتح وحماس وتوحيد الموقف السياسي والوطني وتوحيد شطري الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة، فالقضية الفلسطينية لن تنتصر إذا ما دمنا نتصارع على السيطرة والحكم وتغليب المصلحة الحزبية على المصلحة العامة القائم على الديمقراطية ومشاركة الكل الفلسطيني وتوحيد البوصلة والمسار الصحيح نحو تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة من قبل الاحتلال الإسرائيلي وعاصمتها القدس الشريف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد