العبودية، كيف صارت فى براثن الموت بعد الإسلام؟

الرِّقُّ هو المِلكُ والعبوديَّة، أى نقيض العتق والحرية، ويقال عن الرقيق الذكر عبدُ، ويقابله مصطلح الأَمَة للأنثى، وكذلك ما يماثلها كالفتى والغلام، والفتاة والجارية. والرّق نظام قديم راسخ، رسوخ المظالم والاستعباد والطبقيَّة في تاريخ الإنسان على مدار النظر، وقد أشار له القرآن الكريم في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام (وشروه بثمنٍ بَخسٍ دراهم معدودة). وكان الاسترقاق عقابًا من عقوبات السرقة عند العِبرانيين القدماء، فعندما سُئل إخوة يوسف عن جزاء السارق لصواع الملك، (قالوا جزاؤه من وُجِد فى رحله فهو جزاؤه).
وفي الحضارات القديمة كالفرعونية والفارسية كان الرق هو العماد الأهم لنظام الاستغلال، دون تحرير أي منهم مهما تطورت وتوافرت للمسترق الإمكانيات التي تجعله مساويًا أو حتى متفوقًا على الحر.

وفي الحضارة الرومانية كان السادة، وهم الفئة القليلة جدًا، يسترقون باقي الإمبراطورية، وهم الكثرة الكاثرة، وكان من أشهر الثورات في تلك الحقبة ثورة سبارتاكوس الشهيرة.
وفي إبّان ظهور الإسلام كان التمييز العرقي والطبقي وأنظمة الرق والاستعباد قد بلغت الذروة، وتأججت نارها بزرقة طافحة، كالحرب التي يحصل المنتصر فيها على الأطفال عبيدًا والنساء إماءً أو سبايا، وأمرهم بالضرائب وتبعها العجزُ عن سداد الديون، والأَمَة وإن تزوجت حرًا فإن ابنُها يكون عبدًا رغمًا عنه وعنها، كأن الاستعباد جينات تورَّث. لقد كانت أبواب الحرية مُوصَدة تمامًا، لا أمل في ثقب يفتح منها، وأتى الإسلام شامخًا أمام هذا النظام المرير بنهجٍ متميّز في إلغاء العبودية، فحبّبَ للمسلمين تحرير الأرقّاء، منجاة لهم من عذاب يوم القيامة، كما جعل عتق الأرقاء تبريرًا للذنوب والخطايا، وجعل للدولة يدًا مهمة في تحرير الأرقاء عندما جعله مصرفًا من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة، وصار في قانون الإسلام أن الحرية هي الأصل الذي يولد عليه الإنسان، بينما الرق هو الاستثناء الذي يحتاج إلى إثبات، فصار أولاد الأمة من الأب الحر أحرارًا، وتتابعت الأجيال فيما بعد حُرة، وساوى بين العبد والحر في كل الحقوق الدينية والمدنية، وصارت شهادته معتبرة، وله حق القصاص والاحتفاظ بماله، ثم اندثر الرق والاستعباد في التراب كالموت، وهذا أشمل وأعظم منهج قد يفكر فيه ذو عقل للقضاء على الرق، وفيما بعد صار الرق عبئًا ماليًا على مُلاك الرقيق، فمطلوب منه إطعامه مما يطعم، وكسوه مما يلبس، وإلغاء كلمة العبد والأمة، وحلّت محلهما كلمتا الفتى والفتاة. وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه – وهو من هو في الجاهلية والإسلام من رفعة المكانة – عن بلال الحبشي الذي أعتقه أبو بكر الصديق: سيدنا أعتق سيدنا.

ورغم انتكاس الحضارة الإسلامية بعد عصر الفتوحات وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية، إلا أنها ظلت أخف قيدًا وأقرب عدلًا مما دونها خارج الحضارة الإسلامية. فعندما سعت أوروبا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء الرق وتحريم تجارته، لم تكن الدوافع التي دفعتها صوب تلك الخطوة دوافعًا روحية أو إنسانية، وإن كان بعضها كذلك، وإنما كان أساسها دوافعًا مادية؛ فنظامها الرأسمالي قد رأى في تحرير الرق عمالًا أكثر مهارة وأنفع إفادة لنظامها القائم على الرأسمالية.

ولقد كان القرن الذي سعت فيهِ أوروبا لتحرير الرق، هو ذاته الذي استعمَرت – أي غزت – فيه العالم، فاسترقت بهذا الاستعمار الأممَ والشعوبَ، استرقاقًا جديدًا خادعًا، من قتل ومذابح بشرية تفتقر حتى للتحمل الآدمي، بحجة التحرير، والتدمير بنكهة البناء، والغزو بنكهة الاستعمار – أي التعمير والبناء في أراضيكم – وليس الاحتلال، فشتان بين نظام ينفع البشرية، ونظام يستنزف البشرية، ولا زال البشر يعانون من ذلك الاسترقاق الأوروبي إلى اليوم على مسرح الإنسانية التي تنسى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد