عنوان الرسالة: تاريخ مدينة دمشق للحافظ ابن عساكر (ت:571ه) تحقيق، وتخريج، ودراسة من أول ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل أبي حفص القرشي العدوي، إلى نهاية ترجمة عمر بن خيران الجذامي.

الحمد لله الذي حفظ لنا الدين حفظا، وجعل الإسناد لهذه الأمة خصيصة وشرفًا، وهيأ له علماء فجعلهم نجومًا وسرجًا، أحمده سبحانه حق حمده، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خيرته من خلقه، وعلى جميع صحابته، وآل بيته.

أما بعدُ: فإن الله تعالى قد خلق لعلم الحديث أهلًا، وأعطاهم من الصفات وأهلهم فردًا فردًا، وجعلهم أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، وأعلى من مكانة السنة ورفع منارها؛ وشيد بنيانها فأحسن تشييدها، ولذلك اعتنى سلف الأمة بها، فألفوا فيها المؤلفات، وصنفوا فيها المصنفات، وكان ممن خاض غمار هذا الفن، واشتغل بالحديث في هذا العصر، محدث الشام ومؤرخها أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن عساكر، المتوفى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، ورسالتي (الماجستير) كانت في درة من درر كتبه، وريحانة من بساتين علمه، ألا وهو كتاب تَارِيخ مَدِينَةِ دِمَشْقَ، وقد درست فيه ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي- رضي الله عنه- كاملة، حيث اشتملت على كثير من تفاصيل حياته من حيث اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه، ومن روى عنه ولم يذكر إلا نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم من روى عنه من الصحابة والتابعين، ثم أحاديث، وآثارًا كثيرة تشتمل على سيرته، وفضله، وعدله، وموافقاته لربه عز وجل، وتفاصيل حياته من مولده إلى وفاته، ورحلاته في الجاهلية وفي الإسلام، وغير ذلك، أما عمر بن خيران فلم أقف له على جرح أو تعديل، وليس له في الكتاب إلا صفحة واحدة، ويسوق ابن عساكر كل ما أخرجه في كتابه بأسانيده، وقد بلغت الترجمة العمرية في النسخة المطبوعة للكتاب ما يقرب من الخمسمائة صفحة، وأتممتها تحقيقًا، وتخريجًا، ودراسة فيما يزيد عن الثلاثة آلاف صفحة.

وقَد اقتضتْ طَبيعَةُ الموضوع ومَنْهَجُ الدرَاسَةِ، أَنْ يأتيَ البَحْثُ في مُقَدِّمَةٍ، وبَابَيْنِ، وخَاتِمَةٍ، وفهارس، واشتمل على كل ما يتعلق بالحافظ ابن عساكر، وبكتابه المذكور.

وقد بلغ مجموع الأسانيد المفردة للأحاديث (449)، وللآثار (724)، وللأقوال (89) إسنادًا، وأسانيده التي يروي بها هذه الأخبار نازلة؛ ولهذا كثرت في كتابه الأحاديث الضعيفة والمنكرة، والكتاب من مظنات الحديث الضعيف كما هو معلوم، ولا يتفرد بحديث ويكون صحيحًا أبدًا، نعم قد يتفرد بعدة أقوال قليلة جدًا لم يروها غيره، والأمر في الآثار، والأقوال بعد ذلك أسهل.

وقد اتبعت منهجًا نقديًا في التعامل مع النصوص الحديثية يتمثل في مراعاة القواعد الحديثية، مع ملاحظة اختلاف المدارس الحديثية، واحترام ذلك، وأن تُفهم أقوال كل إمام في ضوء أقواله الأخرى، وفي ضوء أقوال الأئمة، فكما أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، فكذلك أقوال العلماء، ومراعاة الأقوال التفصيلية في حال الراوي، وتقديمها على الأقوال المجملة، مع مراعاة مناهج الأئمة في الجرح والتعديل، والتخريج، والعلل، وعرض كل إسناد على كتب العلل، والرجال، والتخريج، والمتون، وتقديم أقوال الأئمة النقاد الكبار على غيرهم في الحكم على الرواة والأحاديث، وقد تبينت لي دقة هذا المنهج وصحته أثناء عملي في التخريج، ودراسة الأسانيد.

ومن الجدير بالذكر أن الكتاب قد اشتمل على أحاديث كثيرة، لم يصح عندي منها إلا ما كان في الصحيحين، وأما الآثار، وكذا الأقوال فلم يصح في كل منهما ما يصل إلى المائة، وقد استبان لي دقة صنيع الإمامين البخاري، ومسلم في الانتقاء والتصحيح، وأنهما ينتقيان في الآثار كما ينتقيان في الأحاديث.

ومن أشهر هذه الأحاديث الصحيحة الواردة في الرسالة: روية النبي- صلى الله عليه وسلم- لعمر في المنام، وعليه قميص يجره، وتأويله ذلك بالدين، وكذا رؤيته لقصر عمر في الجنة، وحديث: «إِيهًا يَا ابْنَ الخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ، إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»، وحديث:«اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدَانِ»، وغير ذلك، ومن الآثار: قول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- «مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ»، وما في صحيح مسلم من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ»، وأثر” لَمَّا أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِكُنُوزِ كِسْرَى، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيُّ: أَلا تَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى نُقَسِّمَهَا، قَالَ: لا أَظَلَّهَا سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى أُمْضِيَهَا، فَأَمَرَ بِهَا، فَوُضِعَتْ فِي صَرْحِ الْمَسْجِدِ، وَبَاتُوا يَحْرُسُونَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِهَا فَكُشِفَ عَنْهَا، فَرَأَى فِيهَا مِنَ الْبَيْضَاءِ وَالْحَمْرَاءِ مَا كَادَ يَتَلالأُ مِنْهُ الْبَصْرُ، فَبَكَى عُمَرُ، فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَيَوْمُ شُكْرٍ وَيَوْمُ فَرَحٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا لَمْ يُعْطَهُ قَوْمٌ قَطُّ إِلا أُلْقِيَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ ، وغير ذلك.

ومن أشهر الأحاديث غير الثابتة في الكتاب: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ، ولَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وعُمَرُ سِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وأَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُهُ الْحَقُّ عُمَرُ، وَأَوَّلُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَاخُذُهُ بِيَدِهِ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، وغير ذلك.

ومن الآثار: قصة يا سارية الجبل الجبل، وحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، وما روي أن أُمّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنَرْتَحِلُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي بَعْضِ حَاجَتِنَا، إِذْ أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَقَف عَلَيَّ، قَالَتْ: وَكُنَّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلاءَ أَذًى لَنَا، وَغِلْظَةً عَلَيْنَا، فَقَالَ: إِنَّهُ الانْطِلاقُ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَنَخْرُجَنَّ فِي أَرْضِ اللَّهِ، آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَنَا فَرَجًا، فَقَالَ عُمَرُ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَرَأَيْتُ مِنْهُ رِقَّةً لَمْ أَرَهَا مِنْهُ قَطُّ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ ابْنُ رَبِيعَةَ مِنْ حَاجَتِهِ، قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَانَا، وَرِقَّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا، قَالَ عَامِرٌ: كَأَنَّكِ طَمَعْتِ فِي إِسْلامِ عُمَرَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: لا يُسْلِمُ الَّذِي رَأَيْتِ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ إِيَاسًا.

وقد أوصيت في نهاية البحث بضرورة استكمال تحقيق الكتاب، ودراسات لمنهج الحافظ ابن عساكر في مسائل الشواهد والمتابعات، وفي تعامله مع رواة الأسانيد النازلة، وفي حكمه على الرواة والأحاديث دراسة مقارنة بمناهج الأئمة الكبار النقاد، وهذه كلها تصلح رسائل علمية، وفيها خير عميم بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد