قبل أي تحول تاريخي للأمة الإسلامية، لتستعيد مكانتها، وتقود البشرية نحو بناء حضاري متكامل بقيم الإسلام، لا بد أن تحدث محرقة عظيمة، وزلزلة شديدة، وتيه للمسلمين، يتعاظم فيه ويتنافس فيه أعداء الأمة في استئصال الإسلام من جذوره، والخوض في دماء المسلمين، حتى يصل المسلمون إلى حالة من الذهول والعجز عما يحدث لهم.

كل ذلك ما هو إلا مقدمات لهذا التحول، والعجيب أن سوريا والعراق دولتي الخلافة كانتا في مقدمة من تحدث فيهم بالذات هذه المحرقة؛ لأنهم هم من يقودون العالم الإسلامي في ذلك الوقت.

لما غزا المغول (التتار) العالم الإسلامي؛ قاموا بقتل الملايين من أهل العراق والشام، وقتلوا الخليفة، وقضوا على الأخضر واليابس؛ وأدى ذلك إلى سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وقتل آخر خليفة عباسي، وقاموا بتدمير بغداد مركز الخلافة الإسلامية وعاصمتها، وتدمير الكثير من العلوم والمعارف وإتلافها، حتى امتلأ نهري دجلة والفرات بالجثث والكتب والمجلدات، وانتقال مركز الخلافة الإسلامية إلى مصر.

لدرجة أن «ابن الأثير» يقول في كتابه «الكامل في التاريخ»: «لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة؛ استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليه رِجلًا وأؤخر أخرى، فمَنْ الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومَنْ الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني! {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيًّا}، إلى أن حثتني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف، ثم رأيت أن ذلك لا يجدي نفعًا».

ومرت الأمة الإسلامية بنفس المرارة مع الحملات الصليبية، بعد أن اجتاحت العالم الإسلامي، حتى وصلت إلى بيت المقدس، وحدثت نفس المحارق والمجازر، لدرجة أنه بعد أن دخل الصليبيون المدينة المقدسة، تملكتهم روح البطش والرغبة في سفك دماء العزل الأبرياء، فانطلقوا في شوارع المدينة يُذبّحون كل من يقابلهم من رجال ونساء وأطفال، ولم تسلم المنازل الآمنة من اعتداءاتهم الوحشية، واستمر ذلك طيلة اليوم الذي دخلوا فيه المدينة.

وفي صباح اليوم التالي استكمل الصليبيون الهمج مذابحهم؛ فقتلوا المسلمين الذين احتموا بحرم المسجد الأقصى، وكان أحد قادة الحملة قد أمّنهم على حياتهم، فلم يراعوا عهده معهم، فذبحوهم وكانوا سبعين ألفًا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارقوا الأوطان، وأقاموا في هذا الموضع الشريف.

لماذا هذه المحارق والمجازر والآلام التي تحدث؟ القانون الإلهي يقول {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}، {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.

رغم الآلام لا بد أن يحدث ذلك، حتمًا نتيجة لهذه المحارق؛ يتم التخلص من الكثير مما علق بالأمة من تمييع أخلاقي وسلوكي، وبُعد عن الأهداف الحقيقية لنهضة الأمة، وأنه لا نهضة لها إلا بالإسلام وقيمه الحضارية، والتخلص من عوالق وهشاشات الضعف والجبن في سلوكيات أفراد الأمة وقادتها.

لميلاد جيل جديد، وقيادة قوية ذات رؤية بعيدة المدى، حولها رجال على مستوى من المسئولية، قياسًا على حجم المهمة، ومؤسسات متنوعة داعمة لهذه القيادة، حتى يتم استكمال هذا الميلاد تحدث هذه المحارق، وفي نفس الوقت يتم التخلص من الخونة الذين يرتعون، ويساعدون أعدائها في هذه المحارق، واستبعاد القيادات الضعيفة الهشة من الصدارة؛ لأن قيادة المرحلة أكبر من إمكانياتها، رؤية شاملة، وأهداف محددة، وتوقيتات لكل مرحلة، إعداد الأفراد والصف والجنود؛ ليتناسبوا مع حجم المهمة والمرحلة.

دائمًا نتفاخر بـ«صلاح الدين، وقطز، وبيبرس» ولم نسأل أنفسنا، ماذا فعلوا لإنقاذ الأمة؟ وكيف تصدوا لهذه الهجمات؟ وكيف قادوا مرحلة التغيير؟ الجيل قادم للتغيير، ليس هذا من باب الأمل فقط، لكنه قراءة للتاريخ، وسنن ربانية لن يوقفها أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد