ماضٍ مُفجع وواقع مرير عايشته القارة السمراء مع بدايات القرن الخامس عشر؛ الهولوكوست الأفريقي، المحرقة، تجارة العبيد، كلها مسميات أطلقت على تلك التجارة البشعة التي بدأت مع أوائل القرن الخامس عشر في أفريقيا، واستفحلت بعد ذلك ودامت لأكثر من ثلاثة قرون متتالية. 

 ولسخرية القدر كان رواد هذه التجارة – هم أنفسهم – مكتشفي القارة الأوائل، فبعد أن تم اكتشاف القارة الأفريقية بدأ الاتصال الأول بين البرتغال والأفارقة عبر ساحل الذهب، حيث إنهم أقاموا العديد من المراكز التجارية والبحرية على طول الساحل، والتي أتاحت لهم معاملات تجارية أسهل مع الأفارقة، ومن خلال ساحل الذهب كانوا يتبادلون معهم السلع؛ فيأخذون الذهب منهم مقابل الخرز الملون، وبعض المنسوجات الزاهية اللون. 

فقد كان السبب الرئيس وراء حركة الكشوف الأولى هو الوصول إلى الشرق بهدف الحصول على بضائع الشرق المطلوبة في أوروبا كالبهار والصمغ والعاج والذهب، ثم تطور الأمر قليلًا عندما رغب البرتغاليون في أخذ عينة من أهالي المنطقة إلى أوروبا بغرض إثارة حماسهم ليتم استخدامهم في الأعمال المنزلية؛ فتحول الأمر سريعًا لتصبح السلعة المتداولة هي الإنسان الأفريقي.

وقد  تبوأت هذه الجريمة أهميتها ومركزها الكبير كعملية تجارية مريعة جدًا عندما ظهرت الحاجة الملحة للأيدي العاملة في العالم الجديد، وقد كان أول ما بحثوا عنه هو الأيدي العاملة الأفريقية؛ وذلك بسبب قوتهم البدنية وقدرتهم على العمل في المناطق المدارية على عكس الإسبانيين والبرتغاليين الذين لا يستطيعون تحمل حرارة الشمس. فتزايد الطلب على العبيد كسلعة، وليس كعمال.

ولمَّا لم تستطع الجهود التي بذلتها البرتغال أن تسد طلبات الدول الأوروبية الأخرى المتزايدة للرقيق، وبسبب الأرباح الخيالية التي حققتها، اتجهت بعض الدول الأوروبية للعمل في هذه التجارة؛ فدخل الهولنديون والفرنسيون والدنماركيون وغيرهم من الأوروبيين في هذا الميدان، إلى جانب البرتغال؛ ليسدوا الطلبات المتزايدة على الأيدي العاملة الرخيصة.

كما شارك فيها الإنجيز خصوصًا بعدما تزايد احتياج المستعمرات الإنجليزية لأيد عاملة تعمل في مزارع القطن والدخان وقصب السكر، فهي زراعات تتطلب مجموعات كبيرة من الأيدي العاملة، وكل ذلك أدى إلى كسر احتكار البرتغال لهذه التجارة.

وقد اتجهت هذه الدول لبسط سيطرتها على مناطق معينة من الساحل الأفريقي أو في الداخل لتضمن حصولها على حاجتها من الرقيق وتشكلت شركات خاصة لتنقل الرقيق الأفريقي وما يرتبط بهذا العمل من نشاطات أخرى.

وبالرغم من أن البرتغاليين هم أول من بدأوا هذه التجارة، إلا أن هذه التجارة بلغت مداها في بريطانيا، حتى أن الملكة إليزابيث الأولى شاركت الجلابين في تجارتهم هذه، وأعارتهم بعض سفن أسطولها لمعاونتهم في جلب المزيد من الرقيق.

 وقد كانت السفن البريطانية تنقل نصف المصدرين من الرقيق إلى أمريكا ومنطقة الكاريبي، حيث احتلت بريطانيا المكانة الرئيسة الأولى في سوق الرقيق بعد سيطرتها على الجزء الأكبر من غرب أفريقيا.

ولم تمثل المراحل الأولى في اصطياد العبيد صعوبة كبيرة على المستعمرين، خصوصًا أن اصطيادهم في تلك المرحلة كان يتم بالقرب من المراكز التجارية الخاصة بهم، لكنها – ومع مضي الوقت، ومع زيادة الطلب على هذه السلعة الآدمية – أخذت أبعادًا أخرى ضخمة.

فقد اتجه ذوو البشرة البيضاء إلى استخدام الأسلحة النارية والبنادق في اصطياد العبيد، ولم تكن السيوف والحراب والأسهم (أسلحة الأفارقة) لتقف طويلًا في مواجهتها.

بعد ذلك بدأ يستعين البيض ببعض أهالي المنطقة من الموالين لهم ليجلبوا لهم الرقيق، وهذه كانت بداية ظهور (الجلابة)، أي جالبو الرقيق. 

ومع زيادة الحاجة للعبيد زود الأوروبيون هؤلاء الجلابة ببعض الأسلحة النارية؛ لمضاعفة قدرتهم على القنص.  وكلما اشتد الطلب على الرقيق ازدادت الغارات شدة وعنفًا. وهذا هو السبب الذي دفع بعض المؤرخين أن يطلقوا على القرن السادس عشر في أفريقيا عصر البنادق؛ فقد انتشر استخدامها في القارة بشكل موسَّع بعدما كانت الأسلحة البدائية هي المعروفة آنذاك عند الأفارقة.

ولم يكن يقتصر اقتناص العبيد على الشباب فقط، وإنما كانوا يصطادون الجنسين. كما لم يمانعوا أيضًا من استرقاق الأطفال.

وقد بلغت أرباح هذه التجاره حدًا خياليا، فمثلًا كانت السفن البريطانية تقوم في الجولة الواحدة برحله مثلثة، فتنقل الفائض من المصنوعات الإنجليزية لغرب أفريقيا، وهناك تستبدل بها شحنات آدمية تعبر بها المحيط الأطلنطي؛ فتفرغها في مناطق العمل بأمريكا، ثم تعود بالتالي لبريطانيا محملة بالسكر والقطن الخام وغيرها من محاصيل هذه الأقاليم.. وفي كل مرحلة من هذه المراحل كانت تحقق أرباحًا خيالية، فكان هذا سر الثراء الفاحش الذي بدت مظاهره على بعض المدن والموانئ الأوروبية.

 (فإذا كان الهولنديون يرددون في تراثهم أن مدينتهم العظيمة أمستردام قد بنيت على عظام الرنجة التي اشتهروا بتسويقها، فليس بعيدًا عن الصواب أن نقول بالمثل إن لشبونة في البرتغال، وليفربول في إنجلترا، قد بنيتا على عظام الرقيق الأسود وبدمائه). 

وتذكر الإحصاءات البدائية أن عدد الأفارقة الذين تم نقلهم كعبيد من ساحل غانا فقط إلى العالم الجديد، وعن طريق البرتغاليين وحدهم بلغ عند نهاية القرن السادس عشر ما يقرب من مليون نسمة.

وقد حاول بعض الباحثين أن يصل إلى إحصاء تقريبي لعدد الرقيق الذين وصلوا إلى المستعمرات الأوروبية منذ بدء حركة الإسترقاق في القرن الخامس عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر، لكن الأرقام اختلفت ولم تستطع أن تصل لأعداد تستند على أدلة قوية؛ فقد قدر ما وصل المستعمرات الأوروبية في قرن واحد ما بين ١٦٨٠ إلى ١٧٨٠ بحوالي ٤٠ مليون أفريقي.

وإذا صح هذا التقدير، وإذا وضعنا في الاعتبار أن النظام الذي تم في عمليات القنص والشحن والترحيل ترتب عليه أن ما كان يصل حيًا لا يمثل سوى نصف ما فقدته القارة، فهذا يعني أن القارة استنزفت في قرن واحد فقط ما يقرب من ٨٠ مليون من أبنائها.

وقد ظل الرق مستمرًا والقارة الأفريقية تتعرض لحملات منتظمة من الاستنزاف البشري تدعمه الحكومات الأوروبية، والشركات، وتجار الأسلحة، فقد كانوا يشجعون استمرار هذه التجارة بعد أن ثبت أنها أكثر أنواع التجارة ربحًا.

لكن مع أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر بدأت تعلو الصيحات المطالبة بإيقاف هذه التجارة البشعة، كما ظهر العديد من الحركات التي تعارض الرق والإتجار فيه. 

وبالفعل تم توقيف الرق في تلك البلاد، لكن ليس بدافع الإنسانية كما يبدو، بل بسبب انحراف مسار مصالحهم؛ فبعد قيام الثورة الصناعية أصبحوا في غير حاجة للأيدي العاملة السمراء، وبخاصةً بعد اختراع الآلات؛ فغيروا دفة توجهاتهم من استنزاف العنصر البشري في القارة إلى استنزاف موارد القارة نفسها عن طريق الاستعمار. 

فانطوت بذلك صفحة الرق دون أي تعويضات لما عاناه مواطنو القارة من جرائم وحشية وآثار نفسية سلبية خطيرة سنتطرق إليها في مقالٍ منفصل بإذن الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

_تاريخ أفريقيا الحديث والمعاصر(الكشوف- الاستعمار- الاستقلال)، فرغلي علي تسن هريدي. 
_تاريخ أفريقيا الحديث والمعاصر، شوقي عطا الله الجمل وآخرون.
_استراتيجية الاستعمار والتحرير، جمال حمدان.
_تاريخ افريقيا الحديث والمعاصر، جلال يحيى.
عرض التعليقات
تحميل المزيد