في الأرصفة وعلى جنبات الطرق، تجدهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. يمضي يومهم بوجبة واحدة – إن توفرت – أطفال، وعجائز، وشباب، بأجساد نحيلة وثياب ممزقة وأقدام عارية، يصارعون ويلات التشرد في بلد تقتله الحرب منذ خمس سنوات، يواجهون البرد والجوع والحرمان والمرض، هالكون بلا حول ولا قوة، ولا وطن سوى سيمفونيات الموت والمرض، يرحب بهم الليل والارصفة، ولا يحتضنهم الوطن، يتفقون جميعًا في الملامح وعلامات البؤس والحرمان تبدوا على الوجه خطوطًا وتجاعيد، لقد عصفت بهم الأيام والظروف ليجدوا انفسهم على الأرصفة، فهي الوحيدة التي استطاعت تحمل أقدام حافية وملابس متهالكة، وحالة صحية على كف القدر.

«لم يكن هناك مأوىً غير الشارع» هكذا قال (شوقي مرعي) الرجل في بداية الأربعين من عمره، الذي وجدناه نائمًا تحت أحد الجسور في العاصمة صنعاء، ويقول شوقي «تركت الحديدة منذ تسعة أشهر بعد أن تقطعت سبل العيش فيها بسبب الحرب والحصار، وتركت فيها أطفالي الثلاثة وزوجتي ولا أعلم عنهم شيء حتى اليوم»، يعمل شوقي في جمع العلب البلاستيكية الفارغة من الشوارع، يبيعها بعد ذلك ليوفر لنفسه وجبة طعام قد تكون هي الوحيدة طوال يومه.

تضم الشوارع العديد من المشردين شباب وعجائز، نساء وأطفال، على مسافة ليست بالبعيدة عن شوقي وجدنا عدنان سعيد 70 عامًا من تعز، يقول عدنان «نزحت من تعز إلى صنعاء قبل عام ونصف بعد أن قصف منزلي من قبل الجماعات المسلحة الموالية للتحالف استأجرت غرفة في منطقة القاع وبعد أن عجزت عن دفع الإيجار طردني صاحب الغرفة، أسكن الآن تحت الجسر لا أجد قيمة وجبة الطعام لا أقوى على العمل وأعاني من الضغط والسكر، زوجتي متوفية وليس لدي أبناء».

أسباب تقود الفرد للعيش في الشارع.. ومشردون في المنازل

تقول الدكتورة سكينة هاشم نائب عميد كلية الآداب ورئيس قسم الخدمة الاجتماعية بجامعة صنعاء هنالك العديد من الأسباب التي تودي بالفرد إلى التشرد منها: الفقر، العنف المنزلي، ارتفاع سعر الإيجارات، الاضطرابات العقلية والنفسية، البطالة انخفاض الأجور او انعدامها . وتضيف الدكتورة ليس فقط من يعيش في الشارع هو المتشرد، هناك أيضًا الفئة الثالثة من التشرد وهي العيش في منزل لا يحتوي على المتطلبات الأساسية للحياة .

بحسب تقرير للأمم المتحدة تم نشره في 2019 يقدر عدد المشردين داخليًا في اليمن بـ3 ملايين و300 ألف شخص، بزيادة 22% عن العام 2018. يشمل هذا العدد 685 ألفًا فروا أثناء القتال في الحديدة والساحل الغربي بدءًا من شهر يونيو (حزيران) 2019. وقال التقرير إن أكثر من 20 مليون شخص بأنحاء اليمن يعاني من انعدام الأمن الغذائي، نصفهم يواجهون مستويات قاسية من الجوع، ويحتاج 3.2 مليون يمني إلى العلاج من سوء التغذية الحاد، منهم مليونا طفل تحت سن الخامسة وأكثر من مليون امرأة حامل ومرضعة.

إنسانية المنظمات ومأساة المشردين

فراغ دور الدولة الاجتماعي لا حدود له، أيضًا دور المنظمات والجمعيات والمؤسسات ذات الطابع الإنساني والخيري والتنموي في التخفيف من معاناة المشردين في الشوارع غائب تمامًا، على الرغم من وجود العشرات، بل المئات من المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن، إلا أن هذه المنظمات لا تقوم بدورها تجاه هذه الفئة، وكأن المشردين ليسوا أناسًا لهم أرواح واجساد.

المئات من المشردون في شوارع العاصمة وفي مختلف محافظات البلاد يفتقرون لأبسط حقوهم في الحياة وهي حصولهم على بطانية تقي أجسادهم من موجات البرد القارسة ومن تبعاتها الصحية عليهم.

مطهر سند ناشط حقوقي ويعمل في احدى المنظمات الاغاثية في صنعاء قال إن المنظمات تعلم جيدًا بمعاناة هذه الشريحة، وأنهم بأمس الحاجة إلى هذه المساعدات ولكنها لم تجعل هذه الشريحة ضمن آلياتها.

ويضيف مطهر: هناك مساعدات من منظمات عده مخصصة لهذه الشريحة، ولكن المنظمات لا تكلف نفسها في البحث عنهم في الشوارع، وتقوم بتوزيع المساعدات الخاصة بهم تحت مسميات أو لفئات أخرى قد لا تكون بحاجة لهذه المساعدات بقدر ما يحتاجها المشردين.

وختم تصريحه بالقول لا توجد إحصاءات رسمية ولا أي اهتمام او رعاية لعدد المشردين من قبل الجهات المختصة وهذا يعتبر أحد العوائق التي تحد من وصول المنظمات الإنسانية إليهم.

المشردون والقانون

تقول الدكتورة سكينة هاشم يعتبر قانون الرعاية الاجتماعية هو المسئول عن رعاية هذه الفئة وحمايتها، كما إن إنشاء صندوق الرعاية الاجتماعية المتكفل بتقديم المساعدات والمنح المباشرة للفئات الأكثر فقرًا والفقيرة وأوضحت الدكتورة أن الصندوق مكلف بتوفير خدمات الرعاية الصحية والتعويضات المالية في حالات استحقاقات الأمومة وإعانات الشيخوخة وإعانات البطالة وغيرها.

وتضيف دور الحكومات لمعالجة هذه الظاهرة هو في الحلول السريعة لمواجهة ظاهرة التشرد، من خلال بناء بيوت تستقبل المشردين يتوفر فيها وسائل الحياة الكريمة، يشرف عليها وزارة الشئون الاجتماعية ويتعاون في تقديم الخدمات وزارات الصحة والتأمينات والداخلية، يتم تمويل هذه المساكن من التبرعات والرسوم المفروضة من خدمات الكهرباء والمياه والغاز .

وتشير العديد من الدراسات إلى ان الصراع في اليمن أدى الى تفشي هذه الظاهرة بشكل مخيف، في ظل تجاهل القوى المتصارعة إلى الواقع المأساوي الذي يعيشه الإنسان اليمني الذي يدفع ثمن فشل السياسات الحكومية، وهو الفشل الذي لم يكن طرفًا فيه حد التشرد والشتات والضياع والحرمان من أدنى الحقوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد