قيل لنا إن لبناء بيت مَتِين لا بد من أن يكون له أساس تتحمله قواعد البيت كي لا ينهار في أي لحظة فوق رؤوس سكانه، هكذا الحال في السياسات الاقتصادية، لا بد من وضع خطة واضحة تتخذ في طياتها حائط صدّ من الصدمات، وإن لم يكن فعلى الأقل تمتلك أساليب معالجة وكيفية لتخطّيها، تعاصر مصر منذ سنوات عدم تناسق بين السياستين؛ المالية والنقدية، ونُشر في هذا الموضوع مئات الرسائل والأبحاث والأوراق العلمية التي تُنادي بأهمية التنسيق وكيفية التنسيق بمختلف الرؤى، وأن تذبذب القرارات يؤدي بالاقتصاد إلى الهاوية، إلى أن وصلنا بحمد اللَّه إلى الهاوية.

عزيزي المواطن ترجمة لأحداث الوضع الحالي، فإننا نعيش أسوأ كابوس مر على مصر الحديثة، فعليك أن تتخذ من التدابير ما يكفي إلى أن تعيش عيشة كريمة، أو تصل بنفسك إلى حد الكفاف أيهما أقرب لك.

بدأت الأحداث تتفاقم وتأخذ منحنى في غاية الخطورة منذ عام 2011- ثورة 25 يناير، وارتفاع معدلات الاستهلاك نتيجة لهرع الناس وخوفهم من عدم وجود سلع تكفي حاجاتهم، فاتجه الأفراد إلى اكتناز السلع، وأخذ عدد وحدات تفوق حاجاتهم، كذا الإنفاق الحكومي الذي زاد نتيجة الاستجابة للمطالب الفئوية، مما زاد من وطأة عجز الموازنة، والذي يتحمل أعباء صداها الإجراءات الانكماشية التي تنفذ الآن بموازنة 2017.

وأستمر المنحنى في الاتجاه نحو الخطر عام 2013- قيام ثورة 30 يونيه، وما خلفها من إنفاقات حكومية على الانتخابات التشريعية، كذا الشروع والبدء بتنفيذ مشاريع تنمية كبرى على مستوى الدولة ككل.

2015 – إعلان المركزي بتحديد الحد الأقصى للسحب الدولاري، وذلك لكي يعزز من احتياطاته التي تأثرت تأثيرًا جمًا بالإنفاق الحكومي بالأعوام السابقة، الأمر الذي أدى إلى لجوء التجار والمستوردين وكل من كان راغبًا في العملة الأجنبية للاتجاه إلى السوق الموازية والتي بسببها زادت وطأة انخفاض العملة الوطنية وتفاقم وضعها مقابل العملات الأخرى، كذا اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد وتنفيذ شروط تمويل القرض.

2016 – أصدر المركزي قرارًا بتعويم الجنية رسميًا وتركه لقوى العرض والطلب، كذا فتح البنوك كصرافة لكي يجابه السوق الموازية، وبالتالي من المتوقع تباطؤ معدلات النمو، استمرار الارتفاع المستمر للدين العام، تفاقم عجز الموازنة، حدة عجز الميزان التجاري، الارتفاع المتسارع لمعدل التضخم نتيجة للتعويم الحُر، وأيضًا لرفع الحكومة الدعم نسبيًا عن الكهرباء والمواد البترولية وإقرار قانون القيمة المضافة.

2017 – لجأ المركزي لرفع سعر الفائدة نقطتين دون أن يصاحبه إجراء احترازي للمدى البعيد، وأُقر ذلك بالتوازي مع سياسة المالية المقترحة بالموازنة الجديدة بتغيير السياسة الضريبية ورفع تسعيرة خدمات الطرق، وكذا دمج الاقتصاد غير الشرعي في الاقتصاد القومي، كما هو مقرر في إعلان موازنة المواطن 2016-2017، وذلك لحث الناس على الادخار بدلاً من الاكتناز والاستهلاك الذي لجأ إليه الجمهور مؤخرًا نظرًا لتخوفهم واهتزاز الثقة من قرارات المركزي المفاجأة، وعدم وضوح السياسات المتبعة، الأمر الذي بدوره يؤثر تأثير سلبيًا على مؤشر الثقة بين البنك والجمهور، وكذا اتباع سياسة انكماشية هدفها استهداف الطلب الكلي دون المساس بالعرض الكلي، وفقًا لما أعلنت عنه الحكومة في موازنة المواطن -وزارة المالية، كما أنه سيضر بالاستثمار وسيتسبب في تراجع الاستثمار الأجنبي في أذون الخزانة، خاصة أن الأجانب يستثمرون في أذون الخزانة بسبب ما كانوا يرونه من سعر مناسب في سعر الفائدة قبل رفعها، علاوة على ما ستتسبب فيه من زيادة في عجز الموازنة في بند «خدمة الدين»، والذي تحمل عليه أعباء الزيادة في أسعار الفائدة.

الجدير بالذكر أن أسباب التضخم في مصر لا تعود إلى ارتفاع الطلب عن العرض، ولكن بسبب ارتفاع التكلفة على المصنعين، الذين يمررون هذا الارتفاع للمستهلك، أي أن المركزي لم يكن مضطرًا لرفع الفائدة، وكان هناك أدوات أخرى كانت لتساعده بطريقة أفضل في كبح التضخم.

من المعروف أن عند اتباع سياسة نقدية انكماشية، أي انخفاض في المعروض النقدي يؤدي بشكل مباشر إلى انخفاض التدفق النقدي للمنشآت نتيجة انخفاض السيولة، وتؤدي هذه السياسة من خلال ارتفاع أسعار الفائدة إلى ارتفاع الادخار، وبالتالي انخفاض الإنفاق على منتجات المنشآت، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض السيولة النقدية لديها مما يزيد من فجوة التمويل، «وهي الفرق بين استخدام المنشآت ومصادرها المالية»، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع المخاطر، وبالتالي انخفاض الائتمان المتاح، عمليات الإقراض، الإنفاق الاستثماري وهبوط النشاط الاقتصادي.

فنجد هنا أن قدرة السياسة النقدية على التأثير على النشاط الاقتصادي تتوقف على نوع الأداة المستخدمة، وعلى الآلية التي يتم بها انتقال أثر هذه السياسة إلى الهدف النهائي، وهو استقرار المستوى العام للأسعار وعلى الأوضاع الاقتصادية الأخرى .

السؤال هنا يكمن إذا كانت الطبقات المتوسطة تستغيث من غلاء المعيشة بكل خدماتها، فماذا يفعل من هم بحد الكفاف وأقل؟ على السياسة الاقتصادية مراجعة آلياتها في كبح التضخم والسيطرة على عجز الموازنة آخذة في الاعتبار التأمين من المخاطر التي قد تحدث من جراء فشل السياسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد