أي تسوية سياسية قادمة فإنها وبلا أدنى شك تصب في صالح الحركة الحوثية. يبدو أنهم محظوظون، اللهم لا حسد. كل المصائب التي تسببوا فيها لليمن تمر عليهم بردًا وسلامًا، ثم تأتي النتائج لصالحهم دائمًا، ويصبح الحوثي هو المستفيد الأول. بالنظر لحروبهم الأولى فقد تمكن الحوثيون من السيطرة على محافظة صعدة بعد ست حروب خاضوها مع صالح كانت تنتهي كل حرب باتفاق يفضي إلى سيطرتهم على مديريات وقرى جديدة، وهكذا دواليك حتى انتهت الحرب السادسة بالسيطرة الكاملة على محافظة صعدة. لم تكن صعدة هي ما يطمحون إليه، بل اليمن من شماله إلى جنوبه هو الهدف الأول ونقطة الانطلاق للسيطرة على العالم كما يزعمون.

يبدو أن الأمور تسير في صالحهم، فالسيطرة على العالم انطلاقًا من اليمن تقتضي البدء من دول الخليج. لم نكن نتوقع أن يسيطر الحوثي يومًا ما على اليمن، وها هو اليوم يفرض نفسه وبقوة وسيكون المنتصر الأول في أي تسوية سياسية قادمة. في حروبه الأولى بصعدة، كان الحوثي على تواصل مع صالح طيلة تلك الحروب الست، وكان يأتيه الدعم بتوجيهات من صالح، وهذا ما صرح به الرئيس هادي في إحدى مقابلاته؛ إذ قال: «كان صالح يرسل شاحنة ذخيرة لعلي محسن الأحمر وعشر شاحنات للحوثي»، وهكذا حتى أحكم سيطرته على صعدة. السيطرة على اليمن لم تكن بالأمر السهل لولا تدخل الإمارات والمملكة السعودية اللتين كان لهما الدور الأكبر في دعمه، وتذليل الصعاب له ليبتلع اليمن بدءًا من عمران حتى عدن.

تسير الأمور في صالح الحوثي الآن، فبعد أن خاض التحالف معه حربًا ضروسًا في أكثر من عشرين جبهة مترامية الأطراف، ها هو اليوم يكرر السيناريو الذي كان يعمله صالح مع الحوثي حتى مكنهم من صعدة خطوة خطوة بعد أن خاض معهم ست حروب. انحرف التحالف عن الهدف الذي كان يتشدق به وهو عودة الشرعية، يضرب التحالف اليمن بالطيران جوًا، ويدعم الحوثي من وراء الكواليس كما كان يفعل صالح بالضبط، فكل حرب خاضها صالح مع الحوثي كانت تنتهي بتسوية يتمكن الحوثي من خلالها من توسيع سيطرته ونفوذه. التسوية القادمة مع التحالف لن تعيد الحوثي إلى صعدة، فهذا أمر مستحيل. التسوية السياسية مع الحوثي اليوم تعني سيطرته على الشمال اليمني من أقصاه إلى أدناه، عدا مأرب والجوف نوعًا ما. ثمة صفقة كبيرة يسعى التحالف أن يهديها للحوثي وهي شمال اليمن.

الحوثي هو المستفيد من أي تسوية قادمة، فقد تمكن من أدلجة فصيل كبير جدًا من الشباب والجيش، واستغل الإفلاس الفكري في المناطق النائية والأكثر جهلًا وأمية. كما تمكن أيضًا من السيطرة وبقوة على كل المديريات والقرى والأرياف في المناطق الشمالية التي لن يسلمها، ولن تتمكن أي تسوية سياسية من إرغام الحوثي على تسليم تلك المناطق الريفية ورفع نقاطه العسكرية منها. لن يتنازل الحوثي عن هذه المناطق التي ضحى من أجل السيطرة عليها بالآلاف من القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى. الأرياف اليمنية التي يسيطر عليها الحوثي ما مقداره 80% من إجمالي المناطق الشمالية. سيستمر الحوثي في فرض سلطته وسيطرته على الريف اليمني، ولن يتنازل عن ذلك حتى لو كلفه الأمر أن يخوض مائة معركة مع الدولة الجديدة، أو حكومة الوحدة الوطنية، أو أي تشكيلة سياسية قادمة. وبالتالي فإنه لا يمكن لعناصر المقاومة، وكل من وقف ضد الحوثي عليه أن يعود إلى منطقته وقريته حتى ولو كانت هناك ألف تسوية سياسية وألف اتفاق واتفاق.

سيخضع الحوثي لأي تسوية سياسية قادمة، وسيتظاهر بالانسحاب من المدن، ولكن يبقى هو المسيطر وبقوة على كل الأرياف في مديريات المحافظات الشمالية. يستطيع الحوثي في حال فشلت أي تسوية سياسية فرض السيطرة على المدن اليمنية بسهولة، وذلك بالهجوم عليها من الأرياف المحيطة بها. هكذا في صعدة، بدأ بالأرياف وحينما سيطر على الريف تمكن من السيطرة على المحافظة، وهكذا سيسيطر على الشمال عن طريق بسط النفوذ على الريف الذي يشكل حاضنة فكرية وعسكرية كبيرة للحوثي. يمتلك الحوثي الآن عشرات الآلاف من الجيش العقائدي الذي لا يرى إلا ما يمليه عليه سيده، ولا يدرك مصلحة اليمن، ولا يعرف عن الوطنية سوى بندقية ورصاص ومترس، وما يملى عليه من هرطقات في ملازم السيد. أصبحنا أمام معضلة كبيرة، هي معضلة سقوط شمال اليمن فكريًّا وعقائديًّا وعسكريًّا بيد الحوثي، يقابله مكر سيئ وتخبط من قبل التحالف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد