الحاجة غالبًا في علم النفس الذي هو أكثر العلوم دراسة للجوانب السيكولوجية والفسيولوجية للدوافع عند الإنسان التي لها صلة مباشرة بالجسد البيولوجي، التي تشكل رابطًا قويًا بين وظائفها للقيام بتشكل إنسان قائم مكتمل الجوانب حسب التفسير المنهجي لعلم النفس من ناحيته باعتباره علمًا يدرس الظاهرة في جوانبها المادية والسلوكية المشاهدة، قدر ما يتوصل إليه من معرفة ودلائل يوظفها في هذا الجانب لمحاولة التوصل إلى فهم أعمق وأشمل للإنسان وقضاياه وحلها بطريقة أسهل وأسرع.

فالحاجة بالنسبة له هي ما يحتاجها ويطلبها الجسم أو الجسد سواء كانت إشباع غريزة تتصل بالجسد البيولوجي كالطعام والشراب، أو حاجة متصلة بمشاعر الإشباع للجسد ذاته ولكنها ليست مادية بل تأتي في إطار الحاجة السيكولوجية والفسيولوجية كالعاطفة والحب والجنس، وكل المشاعر سواء كانت سلبية أو إيجابية يشترك فيه الفرد مع الآخرين من حوله في المجتمع. في هذه الحالة لا يستطيع الإنسان مجردًا ذاتيًا أن يقوم بإشباع كل تلك الرغبات التي يحتاجها إلا وفق مجتمع محيط وبيئة مساعدة للفرد والكائن الحي تشمل كل تلك الحاجات، سواء كانت مادية كما ذكرنا من طعام وشراب وغيرها من الحاجات، أو كانت عواطف ومشاعر على اختلافها، فلا يمكن اكتسابها إلا عبر تفاعل مجتمعي وبيئي يتم من خلاله تبادل تلك المصالح والمشاعر وعبرها إشباع تلك الحاجات لجميع أفراد المجتمع المحيط عبر تبادل الأدوار والأشكال والأدوار، فلا يمكن لشخص أن يأكل ويشرب ويحصل على المشاعر والحب والعواطف وما إلى ذلك من السلوكيات والمشاعر والأفعال إلا في إطار مجتمع، وتأتي غالبًا هذه الأشياء من خارج الذات العميقة.

فجدلًا الدوافع المادية لا توجد في داخل الإنسان ويستطيع الإنسان الحصول عليها بدون تفاعل خارجي كالعمل وغيره من الأساليب ومن ثم الحصول على إشباع غريزة الطعام وكذلك الشراب. لكن الأمر الأكثر قربًا لما نود الوصول إليه هي العاطفة الوجدانية والمشاعر التي تنبع من الفرد ومن داخل الفرد، لكن كما ذكرنا لا يمكن للإنسان أن يمارس هذه المشاعر مع نفسه ولذاته، فلا أستطيع أن أحب وأكره وأعطف وأن أجسد عواطفي إلا في إطار مجتمعي أتبادل من خلاله تلك الصفات مع الآخرين، ومع أنها نابعة من داخلي إلا أنها مشروطة بظروف وأحاول حتى تتجسد وتظهر على شكل مشاعر كاملة. من هنا نستطيع أن نقول إن هذه حاجة وإن الإنسان بحاجة إلى هذه الحاجة لإشباعها ناحية من نواحيه التي تشكله وضرورية لبقائه في مستواه الطبيعي الذي هو متكيف عليه.

لكن السؤال هنا هل نستطيع تطبيق هذه النظرية على الحاجة إلى الدين على أساس أن الدين في نظر الكثير هو حاجة إنسانية يطلبها، وكثيرة هي النظريات التي ذهبت إلى ذلك تفسر بهذه الطريقة حاجة الإنسان للدين كحاجته لبقية الأشياء التي تعد في علم النفس حاجات ومن ثم هذه الحاجات شكلت دوافع وفق حاجة الإنسان الغريزية.

لو عدنا إلى الزمن الغابر زمن العصر الحجري وسألنا هذا السؤال الملح المهم للغاية، بالتأكيد لن يرد علينا أشخاص أو أبحاث دونها أولئك الذين عاشوا في غابر ذلك التاريخ الذي لا نعلم عنه الشيء الكثير، لن يرد علينا صوت هامس ينبئنا عن هذا السؤال على اعتبار أن السؤال اليوم للإنسان سيرد علينا بكل سهولة. ولكن ذلك الإنسان في العصر الحجري ترك لنا ردًّا ورسالة مدونة في كهوفه وعلى أدوات صيده؛ ترك لنا رسالة مهمة وقوية مجلجلة تنبئنا عن العمق الداخلي لذلك الرجل. الذي يصوره التاريخ على أنه كان رجلًا متوحشًا كتوحش البراري التي يسكنها كان همه أن يشبع رغباته وجوعه وعطشه، إن الرسالة التي تركها هي ما تحمل شخصيته الحقيقية ومن هو لا أن نحلله نحن ووصفه بأوصاف من خيالنا حسب تطور الشكل بالنسبة لنا وليس تطور العمق والمشاعر. لقد ترك لنا رسومات وأشكالًا تنبئنا عن عمق ذلك الشخص والفن الرائع العميق الذي يعيشه ذلك الرجل. إن وراء تلك الروح التي ترسم تخفي أعماقًا ومشاعر وإشارات توضح لنا عن ذلك الشخص وشخصيته أكثر من ملابسه أو طريقة أكله وما يأكل. إنه يدون على تلك الجدران مدى عمقه وما يجول في خاطره ونفسه.

لقد دون تلك اللوحات لتظهر لنا شخصيته؛ إنه إنسان ذو عمق ذو روح بعيدة المدى لا علاقة لها بدافع من دوافعه التي هي بالتأكيد كانت دوافع الرجل في العصر الحجري، تشبه تمامًا دافع الإنسان المعاصر اليوم الذي على مشارف القرن الحادي والعشرين. إنها تجسد ما وراء ذلك الشخص من بعد وعمق فلسفي وروحي أكثر بالنسبة له من دافع أو إشباع رغبة أو حاجة.

إن هذه اللوحات والرسومات في الكهوف تسبر إلى حد قريب أغوار ذلك الإنسان البدائي الذي صور على أنه متوحش في أدبيات التطوريين الذين صوروا التطور على أنه ذاتي، بينما الإقرار أن الشكل الخارجي للإنسان هو من تطور وليس ذاته وعمقه الروحي الذي دونه في لوحاته ورسوماته التي تنبئنا عن أكثر من مجرد إنسان عاش متوحشًا في البراري يبحث عن الصيد، إنه بالتأكيد يأكل ويشرب كما نحن ووفق الظروف المتاحة له حول البيئة وظروفها التي تمكن له ذلك من استخدام الطرق والأساليب المتاحة له لإشباع رغباته وحاجاته باعتباره إنسانًا، لكنه كان أكثر من مجرد ما نتصوره ونرسمه في مخيلتنا وتاريخنا؛ إنه إنسان ذو معنى وعمق، إنسان يظهر فنًّا رائعًا جسَّده في لوحاته في الكهوف والجبال، الفن لا يأتي من روح أو نفس متوحشة أو لا تملك العمق والإحساس الروحي المرهف العميق والبعد ما وراء المادي بالنسبة له كما نحن في العصر الحاضر.

بالتأكيد كان ذلك الرجل يملك عمقًا روحيًّا ينفذ إلى ما وراء الجسد المادي، وكان وقتها متطورًا روحيًّا على أن الروح لا تتطور لو أخضعناها لمقياس المراحل، العمق الروحي الذي وجد في أول بشر وجد على هذا الكون هو نفسه العمق الروحي الذي أملكه أنا وأنت هذا اليوم، ويملكه من يأتي بعدنا.

لا يمكننا تجاهل الحضارات وما دونته من رسومات وفنون في معابدها وقبور ملوكها في الجبال والوديان والسهول، وكل آثارها التي تركتها لنا شاهدة أن الإنسان الأول لم يكن مغيبًا عن تلك الصفة الملازمة للإنسان منذ نشأته الأولى على هذه البسيطة إلى يومنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد