إن اهتمام الحضارة الإسلامية بالإنسان كقيمة عليا جعل المسلمين لا يلتفتون إلى البناء والعمران والإنشاء والإشادة كأولوية حضارية تجعلهم يسخرون الناس ويجبرونهم كما فعلت بعض الأمم السابقة، بل جعلت السخرة سمةً من سماتها ومعلمًا من معالمها فسخرتهم في أعمال تجعلهم كعبيد يخدمون مصالح غيرهم من سادة محليين وقادة منتصرين كرهًا وإجبارًا، وإنما كانت أولوية المسلمين الدعوة إلى دين الله، ونشر عقيدة التوحيد، ونشر فضائل الإسلام، ودعوة الناس للدخول فيه أفواجًا، وكان الفتح وسيلةً ليس غاية, وتجلت هذه الدعوة في أعظم صورها وأوجها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم من بعده، حيث تجسدت صورة العدالة والمساوة بين الناس في الحقوق والواجبات ومحو الفوارق الطبقية والعرقية كواقع معاش ونظام حكم ينظم علاقة الحاكم والمحكوم، وواجبات الراعي والرعيةـ والعلاقات بين الرعية فيما بينهم ليعيش الكل حياةً يعم فيها العدل والمساواة، وتتحقق السعادة في المجتمع المسلم، وهذا ما أولاه الرسول والخلفاء، ولم يلتفتوا إلى غيرها من مظاهر البناء والترف والتعلق بالمظاهر المادية على حساب نشر القيم الأخلاقية والمشاعر الإنسانية، بل سخروا وقتهم وجهدهم لرعاية ورفاهية رعيتهم لإسعادها وحفظ كرامتها الإنسانية، وغرس روح الإنسانية في نفوسهم ثم بعد إن اكتمل المشروع القيمي في المجتمع وجاءت مرحلة ما بعد دولة الخلافة الراشدة اتجه المسلمون إلى الشروع في إكمال مشروع الحضارة من خلال تبني مشروع خدمي يخدم كافة أبناء المجتمع دون استثناء.

ابتداءً من إنشاء الطرق العامة التي تخدم كافة الرعايا من مسافرين وتجار وزوار وغيرهم. ومراكز البريد التي تحمل الرسائل وتنقل المراسلات الخاصة والعامة عبر وسائل النقل المعروفة من حمام زاجل إلى الرحلات وتوظيف الدواب، وفق نظام عام يربط كافة المدن والأقاليم بشبكة بريدية خدمية وفق ما توفر من وسائل تتناسب مع العصر , وأوجدت الحضارة الإسلامية ما يعرف بالخانات، وهي عبارة عن مضافات أو فنادق على الطرقات التجارية بين كل خان وآخر مسافة تسمى مرحلة، وهي تقدر بيوم كامل من السير مجهزة لاستقبال الزوار تكثر بالمدن الكبيرة، ويحق لكل مسافر أو مار النزول فيها لمدة ثلاثة أيام، تقدم له الأطعمة والأشربة وكل وسائل الراحة دون مقابل، بالإضافة إلى الاعتناء بدابته في مبنى خاص بها مجاور للخان وتقديم العلف، وفي المدن تكثر الخانات نظرًا لكثرة المسافرين والزوار، وفي العادة تتكون من طابقين، الأرضي عادة يستخدم للحيوان، والعلوي لإقامة الزوار .

لقد تعدى البعد الإنساني في الحضارة الإسلامية إلى الاهتمام بحقوق الإنسان الضعيف الخادم والمملوك من خلال انشاء دار تسمى الزبادى – مصرف مجانى للفخاريات – ومهمتها تقديم الآنية والأوعية والأطباق أو الصحون إلى الخدم الذين كُسرت اطباقهم وهم يؤدون الخدمة لسادتهم حتى لا يتعرضوا للعقوبة أو الأذى المعنوي من أولئك السادة .

وتميز البعد الإنساني في الحضارة الإسلامية إلى الاهتمام بالحيوان، فأوجدت في كل مدينة مكانًا خاصًا يطلق عليه «مرج حشيش» وهو عبارة عن مكان فسيح متسع محاط بسور تكسوه الأعشاب، يحتوي على عدد من الحظائر ترسل له الدواب التي تعجز عن العمل بدل من تركها سائمة قد تعجز عن الحركة أو تموت من الجوع قرب الأماكن السكنية، وعند تفسخ جسمها ربما تؤثر في صحة السكان وتؤثر في البيئة، أما إذا نقلت إلى هذه الأماكن فتصبح تحت رعاية المسئولين في هذه المؤسسة تحظى بالرعاية، وإذا ماتت نقلت إلى خارج الحظيرة في الفلاة لتكون طعامًا للسباع أو ليردم عليها بالتراب حتى لا يتأذى الناس من رائحتها، ولا تكون عاملًا لنقل العدوى والأمراض .

هذا هو البعد الإنساني الذي اعتمدت عليه الحضارة الإسلامية وأقامت عليه نهضة مدنية اتصفت وتميزت ببعد إنساني, من خلال منظومة القيم التي تحترم حقوق الإنسان وتعلي قيم العدل والإنصاف والمساواة، وتقرير القيم الإنسانية التي تجعل منها منطلق لبناء التقدم المادي الذي جعل منها أعرق حضارة مدنية تهتم بالإنشاء وتمارس الإعمار دون إغفال الجانب الروحي والقيمي، فجعلها حضارة تجمع بين التقدم المادي المتوافق مع احترام ذات الإنسان الذي كرمه الله وجعل قيمته أولوية كبرى لا تدانيها أي قيمة أخرى في الوجود .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد