ماذا لو خيّرتُكَ بين أمرين: أن تُكمل حياتك كما هي، أو أن تتعرّض لحادث بالسيّارة، يُفقدك القدرة على تحريك رجليك تمامًا؟ أيّهما ستختار؟!

قد يبدو السؤال ساذجًا، أو بديهيًا، ولكن ماذا لو أخبرتك أن هناك من سيختار الحادث، حتّى لو خُيّر في اجتنابه؟!

من موظّف إلى بطل سباحة عالمي.. والسببُ حادث!

موظّف شاب ناجح في عمله. يعمل في مجال الموارد البشريّة في واحدة من أكبر الشركات المصرية. أثناء عودته من رحلة سفرٍ مع أصدقائه يتعرّضون لحادث كبير يُفقده القدرة على تحريك رجليه تمامًا. هذا الحادث الأليم كفيل بأن يدفع بعض الناس للانتحار. وقد حكى لنا إسلام فعلًا أنّ أحد زملائه في المشفى الذي كان فيه وقد أصيب بشلل رباعي، أخبره أنّه لو كان له القدرة على تحريك يديه مثل إسلام لقتل نفسه.

كان إسلام، قبل الحادث، إنسانًا عاديًّا جدًا. حياته مثل حياة أي فرد منّا. ولكن بعد الحادث، أصبح بطلًا ورمزًا وقدوةً لشباب العالم كلّه، وليس فقط العالَم العربيّ. (ربّما كنت تتوقّع أن أقول لك إنّه بعد الحادث أصبح بائسًا ويائسًا وفقد أفضل ما في الحياة، أن يكون إنسانًا عاديًا، ولا ألومك؛ فهذا ما يحدث للكثيرين) وسأخبرك بالقصّة.

أصعب أنواع الشجاعة أن تتحدّى اليأس

لم يستسلم إسلام لليأس والانتحار مثلما أشار عليه زميله اليائس الذي لولا أن منّ الله عليه بشلل أطرافه كلّها لقتل نفسه، بل نظر إلى نقاط قوّته وما يمكنه أن يفعله في هذه الظروف العصيبة.

لحظة.

لا تتوقّع أنّ الأمر كان سهلًا أو أنّه لم يعان ولم يحزن ولم يكتئب ولم يشعر بخيبة الأمل ولم ييأس للحظات ولم يتساءل لِمَ يحدث كلّ هذا للإنسان. ليست هذه القصّة لبطل خارق. إنّها قصّة إنسان. ولكنّه إنسان بطل؛ مرّ بكلّ هذه المراحل أثناء الشهور التي قضاها في المشفى، واستطاع أن يتغلّب عليها جميعًا.

نظر الإنسان البطل، إسلام أبو علي لقدراته الحالية فوجد أنّه في أمسّ الحاجة لتعلّم كيفية الاعتماد على نفسه في القيام بالمهام الأساسية مثل تغيير الملابس ودخول الحمّام .. إلخ. وكان الدافع الأكبر لتعلّم هذه المهارات هو الإهمال الذي عانى منه من قِبَل فريق التمريض بالمشفى، فقد كانوا يتأخرون عن طلبه لهم باستمرار. ثمّ أدرك أنّه يستطيع أن يبحث على الإنترنت عن أشخاص واجهوا نفس مشكلته سابقًا وكيف عالجوها. فوجد كمًّا هائلًا من المعلومات ومقاطع مرئية تعليمية لطرق الاعتماد على النفس في مثل هذه الأمور.

وحوّل غضبه من احتياجه لفريق التمريض المهمل إلى عزم وطاقة يشحذ بهما همّته في التعلّم حتّى أصبح قادرًا على الاستقلال التام. وإن انتهت القصّة هنا لكانت كفيلة بأن تكون نموذجًا رائعًا للشجاعة وتخطّي الصعاب. ولكن ما زالت القصّة في مقدّمتها.

روح التحدّي تصنع الأبطال

كان إسلام مع صديقٍ له في رحلة وقال له صديقُه: (لو قذفت بك في البحر ستموت). قالها مازحًا لا يُلقي لها بالًا، ولكن أدرك إسلام يومَها أنّه لو سقط في البحر لَغرِق. كيف له أن يسبح بدون استخدام رجليه؟

هل تعرف من هو بطل أفريقيا والعرب، والمصنّف الخامس عالميًا، في السباحة لذوي الاحتياجات الخاصّة حاليًا؟ إنّه إسلام أبو علي. الشابّ المصري الذي فقد القدرة على تحريك رجليه تمامًا في حادث مأساوي.

قرّر إسلام حين خاف من الغرق أن يتعلّم السباحة. وما لبث أن تحوّلت السباحة إلى هواية حقيقية له، ثمّ إلى عمل احترافيّ. إسلام كان سببًا في إنشاء منتخب مصر للسباحة لذوي الاحتياجات الخاصّة. وبهذا الإنجاز الكبير، فتح إسلام البوّابة لزملائه من السبّاحين أن ينافسوا على مستوى العالم. بسعيهِ الحثيث واجتهاده الذي لا ينقطع، استطاع أن يتخطّى كل العقبات ويصل إلى المركز الخامس على مستوى العالم.

قد نقرأ عن قَصصٍ مثل هذه القصة كثيرًا. ولكننا نادرًا ما نتأثّر بها تأثّرًا تبقى معنا نتائجه على المدى البعيد. قد نقول: يا لَه من بَطَل! ونتأثر دقيقةً ونمضي في حياتنا كما كانت تمامًا.

ماذا عليك أن تفعل؟

وحتّى تستفيد حقًا من هذه القصّة، أشجّعك على القيام بأمرَين لا يُغني أحدهما عن الآخر:

١- استمع إلى القصّة الكاملة يحكيها بطلُها إسلام أبو علي بالضغط على اسمه.

في هذا البودكاست، يحكي إسلام بالتفصيل عن ما عاشه في المشفى بعد الحادث وعن الصراع الداخلي الذي عانى منه فترة، ثمّ كيف تحوّلت هذه الطاقة إلى طاقة إيجابية ساعدته على النهوض من جديد والاستمرار.

٢- بعد سماعها كاملةً، اقضِ نصف ساعة من وقتك، تتأمّل في حياتك أنت، في عملك، وعائلتك، وأحلامك وطموحاتك. حاول أن تستخرج الدروس العمليّة التي يمكنك القيام بها الآن لتغيّر من حياتك إلى الأفضل.

أنت أيضًا لك قصّة، وأنت بطل هذه القصّة. وفي كلّ قصّة، لا بدّ من وجود تحدّيات، وعقبات، وفُرَص. والبطل الحقيقي هو الذي يبحث عن الفُرصة ويستعدّ لها مُسبقًا. ويُحاول أن يستمدّ إلهامه وقوّته من التحدّيّات التي يمرّ بها.

الامتنان سرّ السّعادة

أمرٌ أخير أحبّ أن أشجعك على القيام به. وقد يكون لهذا الأمر تأثير بالغ الأهمّية على حياتك كلّها، هو تمرين الامتنان.

بعد سماعك للحوار مع إسلام أبو علي، ستشعر بقيمة النعم التي أنت فيها. نحن نستمتع بكمٍّ هائل من النّعم (وإن تُعدّوا نعمَةَ اللهِ لا تُحصوها) النّحل: ١٨. ولكنّنا كثيرًا ما نفقد الإحساس بقيمتها الحقيقيّة.

قبل عامَين، قمتُ بمحاولة استخراج ١٠٠ نعمة لنعمة البصر، أي مئة نعمة لو لم أكن مُبصرًا ما استطعت أن أستمتع بها. قمتُ بهذا التمرين كتأكيدٍ لنفسي وللآخرين، على أنّ نعمة واحدة فقط، كفيلة بأن توجب علينا الامتنان والشكر لله سبحانه وتعالى مدى الحياة. وللأسف كثير منّا بائسون أو يائسون أو مكتئبون لسببٍ ما. وأكادُ أُجزم أنّ العامل المشترك بينهم جميعًا، على اختلاف أسبابهم، هو أنّهم لا يقدّرون النعمة التي بين أيديهم، ويطاردون المفقود.

ابحث عن القيم التي بين يديك، وتعوّد أن تعبّر عن امتنانك لبعضها بالكتابة بشكل يوميّ. وستتغيّر حياتك تمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد