إن الإنسان هو الذي يصنع الحجر والعمران، والبناء والاقتصاد، وليس العكس. فالاهتمام بصناعة الإنسان، وتعليمه، وتربيته، وتنمية عقله وفكره، وعلومه، وعقيدته ودينه، أولى بالاهتمام ابتداءً، لأنه هو الذي يؤدي إلى صناعة كل شيء على وجه الأرض، ويعمل على ازدهار الحضارة وتوابعها.

وعليه، فإن الأنظمة الواعية، العاقلة، ذات الرؤية البعيدة، والتخطيط الاستراتيجي البعيد المدى، تهتم بالعقول البشرية، فتفتش عنها في كل مكان على وجه الأرض، وحالما تعثر عليها، تجتذبها إليها، وتمنحها العطاءات الكثيرة، والمغريات المالية، والمناصب الإدارية العالية، وتمنحها جنسيتها؛ كي ترسخ أقدامها عندها، لتستفيد منها، وتستثمرها في تقوية نظامها.

تعامل الأنظمة الديكتاتورية مع الإنسان

أما الأنظمة الديكتاتورية المستبِدة – وخاصة العربية – والأنظمة نصف الديمقراطية، فتكرس كل اهتمامها، بصناعة الحجر! فتُشَيِدُ الطرق الفسيحة، والمطارات الواسعة، وسكك الحديد، وتبني المصانع؛ وتعمل على ازدهار الاقتصاد؛ وزيادة دخل الفرد، دون الاهتمام بعقل الفرد، ولا تربيته ولا استثمار مواهبه، والاستفادة منها!

لأن عقلها، وتفكيرها، وغايتها، مركزة على نيل رضاء الشعب فقط، ليصوت لها في الانتخابات، لكي تنجح في التسلط، والتحكم في الشعب!

أما قدرات الإنسان العقلية والفكرية، فلا تساوي عندها فلسًا واحدًا، فلا يهمها تنميتها، وترقيتها، وتطويرها، بل الأعجب من ذلك، إذا ما ظهر عندها عقول نيرة، وعباقرة، فلا تستثمرها؛ ولا تحرص على المحافظة عليها، والاستفادة من طاقاتها؛ ولا تمانع أن تغادرها؛ وترحل إلى مكان آخر!

مواصفات الأنظمة الديكتاتورية

وفي الحقيقة، هذه أنظمة غبية، ومتخلفة عقليًّا، وفكريًّا، وتخطيطيًّا، وتحسب أنها ستبقى أبد الآبدين، لأنها – حسب نظرتها القريبة – ظنت أنها قد حصنت نفسها من الأخطار الخارجية، وما علمت أن كل هذه التحصينات، ستنهار من الخطر الداخلي، وليس الخارجي، كالذين بنوا سور الصين العظيم، وظنوا أنه سيحميهم من الغزو الخارجي، وما انتبهوا إلى أن حارس بوابات السور الفاسد، الذي لم يجر الاعتناء بتربيته، وتنشئته على الدين والأخلاق، قد جرى شراؤه بدراهم معدودة، وفتح الأبواب للغزاة، ليدخلوا إلى البلد بدون حرب!

والشيء نفسه حصل في سقوط آخر سلاطين الدولة العثمانية، عبد الحميد الثاني، الذي اهتم كثيرًا بإنشاء خط القطار الواصل إلى المدينة، وظن أنه قد أسدى معروفًا كبيرًا للمسلمين، بتسهيل أداء فريضة الحج، ولم يول أي اهتمام بتربية الإنسان الذي يحافظ عليه، ولم يهتم بالذين كانوا يتآمرون عليه، ويخططون لإقصائه عن الحكم!

فبعد سنوات قليلة، جرى عزله على يد يهودي حاقد، وبعدها بسنوات أخرى، جرى تدمير خط الحجاز، وذهبت الأموال والجهود التي بذلت لإنشائه، أدراج الرياح!

والقصة نفسها، تكررت في سقوط العراق بشكل مأساو، وألقي القبض على حاكمه، الذي تخلى عنه أقرب المقربين إليه، ثم إعدامه؛ لأنه كان يتعامل مع شعبه باستكبار، وغطرسة، ولم يهتم بصناعة الإنسان، الذي يدافع عنه على الأقل!

والأمثلة كثيرة في التاريخ، تشهد بأن سقوط الدول، لا يحصل إلا حينما يُهَمَش الإنسان، ولا يُولى أي اهتمام، في بناء عقله وفكره وعقيدته، التي تدفع الإنسان، إلى التضحية بروحه وماله في سبيل المحافظة على الدولة، كما فعل الصحابة، في المحافظة على دولة الإسلام، حينما ارتدت قبائل العرب، عقب وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم.

انخداع الجماعات والحركات الإسلامية

وبالرغم من شواهد التاريخ وتجارب البشرية، ما تزال – مع كل أسف – معظم الجماعات والتنظيمات والأحزاب الإسلامية، تعتقد أنها إذا ركزت جهودها في البداية على الاقتصاد، بأن عملت على تحسين الوضع المعيشي للشعب؛ وانتشالهم من حالة الفقر إلى الغنى، ومن الجوع إلى الشبع؛ ومن المرض إلى الصحة، ستساعدها على الوصول إلى الحكم، ومن ثم ستتمكن من تطبيق شرع الله!

هذه الفرضيات، والنظريات، والأوهام التي تتبناها تلك الجماعات، وتعمل عليها منذ عشرات السنين، وتلاقي في سبيلها العنت، والملاحقة، والمطاردة من قبل أجهزة المخابرات الرهيبة، المتوحشة، وتدخل السجون، والمعتقلات، وتتلقى أصنافًا رهيبة ومرعبة من التعذيب والقتل!

أسباب خطأ مسيرة الجماعات الإسلامية

هذا الطريق الذي تسير فيه تلك الجماعات، خاطئ وغير صحيح البتة، للأسباب التالية:

1- ليس هذا هو الطريق الذي سلكه الرسول، صلى الله عليه وسلم، في دعوته، فبالرغم من العروض المغرية التي عرضها كفار قريش عليه، مما يسهل عليه كثيرًا، إحداث رخاء اقتصادي باهر، منقطع النظير في الجزيرة العربية. ولكنه رفضها رفضًا قاطعًا، وحاسمًا، وباتًا، لأنها طريق خاطئ، لا يحقق الهدف المنشود.

ولأن الأرض التي يريد أن يبني عليها دعوة التوحيد، ومن ثم دولة الإسلام، بهذه الطريقة أرض هشة، سبخة لا تتحمل هذا البناء الضخم، الذي يجب أن يعمر آلاف السنين.

أدلة خطأ مسيرة الجماعات الإسلامية

وللدلالة على خطأ هذا المسلك. فقد جاء في السيرة النبوية: (قال عتبة بن ربيعة يومًا وهو جالس في نادي قريش: والنبي عليه الصلاة والسلام جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد، فأكلِّمه، وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا! وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله فقال: يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السِّطة(1) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، ودينهم، كفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منا بعضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قل يا أبا الوليد أسمع»، قال: يا ابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا، سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا».

«ولما رأت قريش أن رسول الله قد رفض ما عرضوه عليه قالوا له: يا محمد! إن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدًا، ولا أقل ماءً، ولا أشد عيشًا منا، فسل لنا ربك، الذي بعثك بما بعثك به، فليسيِّر عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق لنا فيها أنهارًا، كأنهار الشام والعراق».

«فقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ، أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم».

«وعن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة. قال: بل التوبة والرحمة»(2).

لو كان طريق الرخاء الاقتصادي، طريقًا، وسلمًا إلى تحقيق الهدف المنشود، وهو تحكيم شرع الله، كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، أولى بتطبيقه، خاصة وأنه جاءته العروض المغرية على طبق من ذهب؟

وبما أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد نبذه ورفضه، فهذا يعني أنه طريق خاطئ!

ولا يجوز لأي جماعة، أو حزب إسلامي، هدفه الأساسي تطبيق شرع الله، أن يسلكه.

2- لم يثبت في التاريخ البشري القديم والحديث، أن استطاعت جماعة أو حزب إسلامي، أن يحكم بشرع الله، عن طريق الازدهار الاقتصادي إطلاقًا.

أمثلة التاريخ الدالة على خطأ التركيز على بناء الاقتصاد قبل الإنسان

فها هي جماعة (الإخوان المسلمون)، وهي أقدم جماعة تأسست في العصر الحديث منذ ثلاث وتسعين سنة، لم تتمكن من أن تحكٍم شرع الله، بالرغم من أنها قدمت خدمات جليلة للمجتمع، من الناحية الاقتصادية، والتعاونية في بلدان عديدة، وتبوأ بعض أفرادها مناصب حكومية عديدة، بدءًا من دخولهم للبرلمان، واستلامهم حقائب وزارية عديدة، ثم وصولهم إلى رئاسة الجمهورية في مصر.

وها هو حزب آخر، له توجهات إسلامية في بلد ما، مضى على استلامه الحكم عقدان تقريبًا، أحدث تغييرًا هائلًا في المجتمع على جميع الأصعدة، وزاد الدخل الفردي عدة أضعاف، وكذلك الدخل الحكومي تضاعف مرات كثيرة، ونقل البلد من دولة فقيرة متخلفة، إلى دولة غنية ومتقدمة، وسمح بحرية الرأي، وحرية التدين، وحرية التمسك بالعفاف والفضيلة، مع حرية التعري، والخلاعة، والفجور!

ولكن بقي الحكم علمانيًّا، لا يؤمن بالدين، ولا يعترف أصلًا دستورها بالإسلام، بالرغم من أن معظم شعبها مسلمون.

بل الأدهى من ذلك! أنه حتى قانون الأحوال الشخصية، من زواج، وطلاق، وميراث، فإن الحكم يتم حسب الشريعة البشرية، ويحرم ما أحل الله من تعدد الزوجات! مع أنه معمول به حسب الشريعة الإسلامية، في كثير من البلدان المحكومة من قبل الطغاة والمستبدين!

3- إن تحقيق الرخاء الاقتصادي قبل إيجاد الضوابط الدينية، والشرعية، مدعاة إلى مزيد من الفساد، وإشاعة الفواحش، والمنكرات، والرذيلة، وانطلاق الناس كالبهائم، تتسابق نحو الشهوات، والملذات، بدون أي قيود، أو رادع من ضمير، أو وجدان، أو خشية من رب العالمين، أو حتى خوف من القانون البشري.

وقد ذكر الله تعالى هذا الشيء في كتابه العزيز:{وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ}(3).

الطريق الصحيح لتطبيق شرع الله

إذًا ما هو الطريق الصحيح، السليم لتطبيق شرع الله؟ إنه الطريق نفسه الذي سلكه رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

1- البدء بغرس عقيدة الإيمان والتوحيد في قلوب المسلمين من جديد، مع تشكيل جماعة مسلمة، ذات عقيدة راسخة، قوية، على قاعدة صلبة.

2- الانطلاق بهذه الجماعة المؤمنة للجهاد في سبيل الله، لتطبيق شرع الله بالقوة، وليس عبر صناديق الاقتراع المزيفة! تصديقًا لقول الرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(4).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد