خلفية تارخية و مقترحات للحل

مرت علينا قبل أيام ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حيث صادف يوم الثلاثاء الموافق 10 ديسمبر (كانون الأول) الذكرى الواحدة والسبعين لإجازة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة في العام 1948م، والذي نص على مجموعة من الحقوق الأساسية وعُد هذا الإعلان في ذلك الوقت إنجازًا مهمًّا في سبيل تعزيز حقوق الإنسان، إذ وضع لبنات تأسيسة في هذا الطريق الشاق، ولرمزية هذا اليوم تُعلن فيه الأمم المتحدة عن الفائزين بجائزة نوبل للسلام، واعتمد عليه رسميًّا يومًا عالميًّا لحقوق الإنسان.

شكل هذا الإعلان لحظة فارقة في تاريخ حقوق الإنسان في العالم، إذ مهد فيما بعد لإجازة مجموعة من العهود الدولية أكثر تفصيلًا وحزمًا في حماية وتعزيز حقوق الإنسان في المجتمع الدولي، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي أُجيز في يوم 16 ديسمبر من العام 1966م، والعهد المدني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي أُجيز في التاريخ نفسه، لكنه دخل حيز التنفيذ الفعلي في 3 يناير (كانون الثاني) من العام 1973م، ويعد هذان العهدان تطورًا ملفتًا في إطار تعزيز الكرامة الإنسانية، كما شهدت الأعوام اللاحقة توقيع برتوكولات اختيارية لتشكيل لجان مختصة، تنظر في شكاوى انتهاكات حقوق الإنسان، مثل البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

عربيًّا لقد تأخرت أنظمتنا في تبني قضايا حقوق الإنسان والتشريع لها، سواء كان ذلك محليًّا أم إقليميًّا، فعندما أنشئت الجامعة العربية فإن ميثاقها الأول الموقع في العام 1945م قد خلا من أي نص عن حقوق الإنسان، إذ ظل الوضع كذلك إلى أن وافق مجلس الجامعة العربية في العام 1968م، على إنشاء اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان، لكن دور هذه اللجنة ظل هامشيًّا لأن تكوينها كان من مندوبين للدول الأعضاء، ولم يكن من خبراء مختصين، وتعد أول وثيقة إقليمية عربية تتعلق بحقوق الإنسان هي الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمد في القمة العربية التي عُقدت في تونس في مايو من العام 2004 حيث أكد الميثاق ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ودخل هذا الميثاق حيز التنفيذ في مارس (آذار) من العام 2008م، بعد أن صدقت عليه سبع دول عربية.

تعد مناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان فرصة لكي نسأل أنفسنا كمواطنين عرب «ماذا نعرف عن حقوق الإنسان؟!» نحن هنا لا نسأل عن مستوى احترام مجتمعاتنا وحكوماتنا لهذه الحقوق فقط، بل نسأل أيضًا حتى عن مجرد وعي مجتمعاتنا المحلية بهذه القضية؟! إذ نجد أن الوعي بها في أدنى المستويات، وهذا بسبب مجموعة عوامل سياسية، اجتماعية، وثقافية، أبرزها أن التبشير بحقوق الإنسان ارتبط بالمجتمع الغربي، مما أدى لنمو خطاب سياسي محلي وقومي ضد مفهوم حقوق الإنسان سوقته الأنظمة الشمولية، وأظهرت فيه حقوق الإنسان كثقافة غربية دخيلة على مجتمعاتنا المحافظة، كما أن رواج هذا الخطاب ساهمت فيه تيارات دينية متطرفة، اجتزأت بعض نصوص قوانين حقوق الإنسان من سياقها العام وعدتها مخالفة للدين الإسلامي، وعمومًا يمكن أن نقول إن «إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام» الذي أجازه مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في أغسطس (آب) من العام 1990م بالقاهرة، شكل تطورًا ملحوظًا لفهم مجتمعنا لحقوق الإنسان في سياق ثقاقتنا الإسلامية، وأعتقد أن ديباجة هذا الإعلان تعد ملخصًا راقيًا وصافيًا لنقاش فكري عميق دار بين رواد هذا المجال، سواء إن كانوا من المختصين في المجال أو من رجال الدين.

لكن على العموم، ومن حيث التطبيق، نجد أنفسنا في العالم العربي في تراجع مستمر في قضايا الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها؛ إذ أصبح الحديث عن الحقوق السياسية والاجتماعية مدعاة للسخرية، لأن أبسط الحقوق الأساسية في وطننا العربي منتهكة، فأصبح المتابع لنشرات الأخبار لا يهتز له جفن وهو يشاهد يوميًّا الجثث تملأ الطرقات، ولا يكترث لأخبار المحاكمات الصورية التي نُصبت لمحاكمة السياسين المعارضين في بعض الدول.

إن مصادرة الحقوق الأساسية في الدول العربية مثل الحق في الحياة، وحرية التنقل، باتت السمة الغالبة للأنظمة والجماعات، وبات تقديم خدمات مثل التعليم والصحة دعاية انتخابية يُمن بها على الشعوب، كما أصبحت المناداة بالحقوق المدنية والسياسية وحرية التعبير أُمنية لأحزاب المعارضة، وما يؤزم وضع حقوق الإنسان في وطننا العربي هو استمرار النزاعات المسلحة التي أخذت طابع حرب شاملة كما في (ليبيا، اليمن، وسوريا) حيث خلفت هذه النزاعات مئات الآلاف من القتلى، والجرحى، والمفقودين، والأسرى وأكثر منهم نازحون ولاجئون، هذا غير الكوارث الصحية، وتفشي الأوبئة القاتلة والمجاعات، وفي هذا المشهد القاتم يُطل منظر أكثر بشاعة وإيلامًا فيما يخص حقوق الأطفال، إذ إن الأطفال الذين يعيشون في مناطق الصراع يفقدون الفرصة في التعليم، بل إن غالبيتهم يُضطرون للعمل قبل بلوغ السن القانونية لتغطية نفقات أسرهم، بسبب فقد الأبوين أو أحدهما، وهم أكثر عرضة للانتهاكات الجسدية والاستغلال الجنسي، وتلاحقهم شبكات الإتجار بالبشر.

وفي الدول التي لا تعاني من الحرب فهي تعاني انقسامًا داخليًّا لأسباب سياسية أو أيدولوجية، وتحكمها نُظم أكثر بطشًا وقسوة، وإن بدا غير ذلك، فأصبحت الاعتقالات التعسفية والإعدام خارج نطاق القانون، أو الإعدام بمحاكمات غير عادلة سمة لبعض الأنظمة العربية، كما سجلت كثير من المنظمات الحقوقية والدولية انتهاكات متعددة بخصوص السجون السرية، والتعذيب في الاعتقال، والحبس الإنفرادي أداة للتخويف السياسي وقمع المعارضين، حتى وإن كن مجرد نساء نادين بحقهن في الحياة الكريمة، أو كانوا مجرد صحافيين أدوا دورهم المهني في نقل الحقيقة.

أيضًا تتذيل المنطقة العربية قوائم دول العالم من حيث ارتفاع معدلات البطالة، وتدني المستوى الاقتصادي، كما أن التميز على أساس الانتماءات الطائفية، السياسية والقبلية يعد وسيلة فعالة للترقي الاقتصادي، إذ ساعد هذا على استشراء الفساد والمحسوبية، وقد أدى ضعف أجهزة الرقابة العدلية لتفاقم الفروقات الطبقية والاجتماعية، وفي ما يتعلق بحقوق الأقليات الدينية والإثنية في الدول العربية، فإن إيقاف الانتهاكات المتكررة في حق هذه الفئات يُعد من التحديات الرئيسية التي تواجه الأنظمة العربية، واختبارًا حقيقيًّا لمدى جديتها في القبول بهذه الأقليات مكونًا فاعلًا في هياكلها السياسية والاجتماعية.

أيضًا في ما يخص التميز على أساس النوع وانتهاك حقوق المرأة فحدث ولا حرج، إذ ما زال النساء يعانين من عدم تساوي الفرص في المجتمع وقد هرب بعضهن للغرب من بعض الدول ذات النظام الاجتماعي الصارم خوفًا من البطش والإذلال، وستهرب أُخريات متى ما لاحت لهن فرصة لذلك.

إتاحة الحريات العامة رؤية للحل:

إننا في الذكرى الواحد والسبعين للتوقيع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نجد أنفسنا كمجتمع عربي أمام تحديات كبيرة لكي نُحدث تحولًا حقيقيًّا في نظرتنا إلى الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وبالرغم من أن الطريق طويل للوصول للوضع الأمثل في هذا الجانب، فإن توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز قيم الديمقراطية، وإتاحة الحريات العامة تعد خطوة في طريق تعزيز قيم التسامح في مجتمعاتنا، وستسهم هذه الخطوات العملية في إرساء قيمة قبول الآخر، والحفاظ على حقوق الأقليات الدينية والإثنية؛ مما يساهم في تقليل الصراعات والنزاعات المسلحة وتعزيز السلم الاجتماعي.

لذلك في تقديري الخاص فإن الدور الأهم الذي يمكن أن يساهم في تطوير التشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان في الوطن العربي وتطبيقها على أرض الواقع يجب أن تقوم به منظمات المجتمع المدني والناشطون السياسون، إذ يتركز دور هذه المكونات الاجتماعية في توسيع دائرة الوعي بحقوق الإنسان، وتأسيس منصات شبابية لتعزيز قدرات الشباب العربي وتطويرها في هذا المجال، وخصوصًا في جانب رصد الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي لضحايا هذه الانتهاكات، حينها يمكن أن نشهد تحسنًا في واقعنا الإنساني العربي، وهذا ما أتمناه لتأسيس مستقبل مشرق تُحترم فيه الإنسانية، ويسوده العدل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد