بعد أن ناقشت في الجزء الأول فكرة التصنيف لدى الإنسان، سأتكلم في هذا الجزء عن التقديس لدى الإنسان والجماعات البشرية.

فللتصنيف علاقة وطيدة بالتقديس، سواء أكان لأشخاص بعينهم أو لمكانتهم داخل تنظيم بشري أو جماعة، أو كان لأفكار مرجعية لتنظيم بشري. فالتقديس لغةً هو التطهير والتنزيه عن الأخطاء. وفي كل تنظيم بشري قائم على أفكار القادة أو أتباعهم الذين عهد إليهم أمر نشر والحفاظ على أفكار قائد التنظيم وعلى مكانته داخله، وأيضًا للحفاظ على «بيضة» جماعته، يستفيد الزعيم من حوادث ويتم المبالغة في استثنائية حدوثها، فتصور مثلًا على أنها معجزات. ويمكن القول إن التقديس هو توسيع أو تمديد لنطاق التصنيف، فإذا كان التصنيف يعمل على التفرقة بين الأشخاص أو الأشياء على مرأى أعين الناس، أي أفقيًّا، ويساوي بينهم من حيث النوع، فإن التقديس يرفع مكانة الشخص أو الشيء فوق كل شيء، أي عموديًّا، فيعدو المقدس من نوع مختلف كأنه إله أو ملاك.

والتقديس ليس مرتبطًا دائمًا بالفكرة الدينية، فكما يعلم الجميع فهناك اليوم العديد من الأيديولوجيات التي يتبناها الناس، وتشكل منهاجًا لحياتهم، فيحاجون بها ويدافعون عنها، وقد يموتون من أجلها، وليس هذا الأمر سيئًا في حد ذاته، إذ لست في معرض تحديد السيئ من الجيد.

حسب إبراهيم البليهي، فإن ما يحدث أن الناس بتقديسهم لأشخاص مميزين، فإنهم يفترضون أن ما جاء به المميزون لا يمكن تجاوزه أو دحضه، في حين أن إبداع هؤلاء محصور في الزمان والمكان والظروف التي أهلتهم إلى هذا التميز. وبالتالي فالمبالغة في التقديس والإعلاء من شأن أي شخص أو فكرة تحجب إمكانية الإبداع، ومنه المساهمة في البناء الحضاري. فمن غير المعقول أن نسلم بعدم تكرار نموذج استثنائي لشخص أو فكرة، فلكل شخص أسلوبه وأفكاره التي استقاها وركبها وكونها، فلا نهمشه ونحتفظ بالتقدير النسبي له، ولا نبالغ حتى نخرجه عن حدود الضعف البشري.

نفسيًّا، يمكن أن نفسر رغبة الإنسان الدفينة في التقديس، وهو احتياجه للإحساس بالانتماء، فهو يستمد قوته من هذه العلاقة مع من يتقاسمه أفكاره ويعززها، والتي تمده براحة نفسية تعفيه من كثرة التفكير في العديد من الأسئلة التي تشغل وجدان غيره من التائهين والباحثين عن أجوبة أسئلتهم، فالشعور بالانتماء تنتج عنه سلوكيات كعلاقة الشخص بالمقربين له ومحيطه، وكذا تصوراته حول العالم؛ فتؤثر بشكل كبير في مصيره.

يُضاف إلى هذا احتقار الإنسان لنفسه واستبعاده لأدنى محاولة للتجديد والإبداع، فهو كسول فكريًّا، ويريد من الآخر التفكير مكانه، ولهذا جذور في عقله، لقد لقن أن التفكير فيما جاء به أسلافه ونقده أمر محرم، وأن ما جاؤوا به هو الحقيقة التي لا تقبل نقاشا، لذا فهو يربط نفسه بشيء يعتبره أعلى منه مكانة، ويجتهد في الدفاع عنه لأن بهذا السلوك سيحمي جماعته رغم أن هدفه حماية نفسه من خطر الخروج من منطقة راحته، فلكل منا منطقة راحة يتصرف فيها بشكل مستقل جزئيا دون ضغط مجتمعي. أليس الحديث عن هدا الأمر يثبت إلى أي حد نحن ضعفاء؟ للأسف نعم، فالإنسان نادرا ما يفلت من شباك النمطية وإذا استطاع سيكون بعد جهد مضن قاسى فيه شتى أنواع الصراعات، ابتداء من النفسي مرورا بالفكري وانتهاء بالمادي والأمثلة من التاريخ الإنساني تثبت ذلك.

السؤال إذن ما الحل؟ فبقاء الإنسان وسط جماعته لن يسهل عليه معركته، فهو يسلم عقله للجماعة فهذا الحضور وجداني بالأساس، فليس ضروريا أن يكون فيزيائيا محصورا في المكان، لذا فالحل الذي سلكه أكثر الناس تأثيرا في التاريخ هو الانسحاب ثم العودة وأولى علامات الانسحاب أنه قد يشاركهم في أنشطتهم لكن عقله معصوف بألف فكرة وفكرة، فهو منسحب عقليا عنهم ولايلبث بعد دلك أن ينسحب عنهم ليقوم بعملية مراجعة وإعادة بناء منطقة راحة صلبة، لا تتأثر بالأفكار الجامدة وتكون في عملية تجديد دائمة مع رؤية واضحة، فيعود بما يكسر النمط السائد وهذا كان درب أغلب الاستثنائيين. وكما ذكرت في تدويني السابقة حول الجهل وتناميه بصورة معدية وإعادة إنتاج نفسه، فالتصنيف والتقديس نابع عن جهل الإنسان بنفسه، وأولى خطوات الحل هي معرفته لنفسه وتهذيبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد