في عصر الجاهلية كانوا يقولون أن الشعراء لهم أقرانًا من الجن يوحون إليهم بما تقدمه جعبتهم من إبداع وعبقرية، وكانوا يثنون على أقرانهم قبل أن يثنوا على الشاعر نفسه، فعبقرية كعبقريات شعراء المعلقات العشر لم يصدقوا أنها نابعة من إنسان طبيعي، فلا بد أن هناك من يتدخل في الأمر.

وحديثًا اختلفت المصطلحات المُعبّرة عن نفس الفكرة، فالبعض يطلق على ملهمات الأديب «بنات أفكاره»، وكأن هناك ما يجعل الرجل منتشيًا مع فكرته حتى يلد منها بنتًا جميلة رائعة مبدعة في خلقها، والبعض يقول عنه «الوحي»، لربما أرادوا أن يُشبّهوا الأدب بوحي السماء الذي لا يخطئ وبه يكون صلاح الأمة.

ومع أننا نحن البشر نحاول أن ننفي كل تلك الأساطير التي تدفع الواحد منا إلى تقديس الكاتب وتبجيله وكأنه المعصوم من السماء، إلا أن ما نراه الآن في واقعنا والذي تنبأ به الكُتّاب منذ سنين يجعلنا نتساءل أي قرين قد اطّلع على الغيب وألهم به صاحبه حتى يكتبه لنا؟! هل حقًّا هناك «وحي» أراد أن يُحذّر البشرية من خطر قادم فأوحى إلى أحدهم فكتب ما كتب، ونراه الآن حقيقيًا مُحققًا على أرض الواقع!

منذ عام أو أكثر قبضت الشرطة المصرية على طالب بحوزته رواية «1984» لـ«جورج أورويل»، الرواية التي تتحدث عن منظومة عسكرية ديكتاتورية أوجدت نظام «شرطة الفكر» التي تقبض عليك بتهمة أنك «تفكر»، يبدو أنها ليست «فانتازيا» أدبية بقدر ما هي حقيقة وقعنا فيها جميعًا.

الصورة التي يقف فيها أحد أمناء الشرطة وقد أمسك لحضرة الضابط «البانك باور»، أثارت مؤخرًا سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وقارنوها بمشهد تخيلي في فيلم «البريء» والعسكري يحمل المروحة لقائده!

فيلم «فانديتا» والذي وصف وصفًا دقيقًا ما حدث حقًا وفعلًا في ثورة الخامس والعشرين من يناير، على الرغم من أن الفيلم من إنتاج 2005 والثورة 2011.

في رواية «يوتوبيا» وصف خالد توفيق مترو الأنفاق المهجور، وكنتَ تستطيع استحضار هذا المقطع من الرواية كلما مررت بمحطة مترو أنور السادات وهي  مقفلة، ناهيك عن وصفه للطبقية التي يعيشها المجتمع، فالأغنياء يعيشون في «كومباوند» خاص بهم والفقراء يهيمون في الشوارع القذرة والسيئة، وما أكثر تلك المُجّمعات الطبقية التي يتم بناؤها والتي يطمح الجميع للسكن فيها.

خدم والد «سوزان كولنز» في حرب فيتنام، وأثناء تنقلها بين برامج تليفزيون الواقع وأخبار غزو العراق، جاءتها الفكرة وكتبت سلسلة روايات «ألعاب الجوع».

أُنتجت أول سلسلة أفلام مبنية على هذه الرواية عام 2012، والتي تحكي عن الديكتاتور «سنو» الذي يعيش برفاهية مع الطبقة المخملية المعزولة في «الكابيتول»، في مقابل الطبقة الكادحة التي تعمل من أجلهم في ثلاث عشرة مقاطعة، في بداية الفيلم يسرد الراوي ما حدث في الزمن الغابر عندما حاول الكادحون الثورة على الكابيتول، ولكنهم فشلوا فأبيدت المقاطعة رقم 13 بالكامل، ومن أجل تقديم الولاء وطلب الغفران يتم التضحية كل عام بشاب وفتاة من كل مقاطعة لخوض «ألعاب الجوع»، القائمة على فكرة أن يحاربوا بعضهم البعض من أجل البقاء، ولا ينجو منهم إلا فرد واحد فقط، وفي مقابل ذلك يهبهم «الكابيتول» السلام! هو يجبر شعبه الفقير على العمل من أجله وأجل الطبقة الغنية في مقابل أن يتركهم في أمان!

 

على أحدهم أن يقوم بتصرف أحمق

هكذا بدأت الثورة في فيلم «فانديتا» عندما تحامقت الشرطة وأطلقت النار صوب طفلة صغيرة تركض في الشارع.

في نسخة فيلم «البؤساء» الغنائية التي أنتجت عام 2012، عندما وجد الطفل «جافروتش» أن لا أحد من السكان يعاون الثوار ضحى بنفسه واستفز العسكر لقتله معتقدًا أنهم سيثورون من أجل طفل قتيل.

وفي «ألعاب الجوع» لم يحتج الأمر سوى أن تُقتل الطفلة «رو» ابنة الأعوام الاثني عشر حتى تهيج الجماهير ويبدؤوا في سلوك أولى خطوات التمرد والثورة، ويستوعب «سنو» الديكتاتور أنه يواجه خطرًا حقيقيًا من الشابة «كاتنيس» التي اتخذتها الجماهير رمزًا لثورتها ومحركًا لها.

على طول سلسلة الأفلام تتذبذب «كاتنيس» بنفسها وضميرها، ما بين أنها تريد الانتقام من «سنو» وما فعله بالشعب وبين أنها تريد أن تعيش في سلام وأن ينتهي حمّام الدم الذي تعتقد بأنها تحمل ذنبه عندما تحدت «الكابيتول» في أول لعبة.

كلما تمردت وكلما هاج الناس من أجل حقوقهم، زاد عدد القتلى واستعرت نيران الحرب.

يقول لها سنو: «لا أريد أن أقتلك، أريد أن نصبح أصدقاء، وإذا لم نصبح أصدقاء فلنكن حلفاء».

 

تشويه الثوار

في الجزء الثاني من السلسلة تدور الأحداث حول محاولة «سنو» و«بلوتارك» – صانع الألعاب – في إيهام الثائرين أن «كاتنيس» واحدة منهم، وأنها ابنة النظام ولا تتحرك إلا من خلالهم.

يقول «بلوتارك»: «إنهم يظنونها واحدة منهم، يجب أن نجعلهم يظنون أنها واحدة منا، نحن لا نحتاج لتدميرها بل نحتاج إلى تدمير صورتها، ثم نجعل الناس يقومون بالباقي».

ثم يشرح وجهة نظره لـ«سنو»: «أغلق السوق السوداء، واسلبهم القليل الذي يملكونه، ثم ضاعف عمليات الجلد والإعدام، وأذع ذلك مباشرة على التلفاز ليزدادوا خوفًا».

فيقول له «سنو» أن ذلك لن يفلح، لأنهم يسيرون وراء «كاتنيس» وهي تعطيهم الأمل، فيرد عليه «بلوتارك»: «إنها مخطوبة، لنجعل كل شيء يدور حول ذلك، أي فستان سترتديه ثم نجلد الشعب، ما شكل كعكة الزفاف ثم نزيد عمليات الإعدام، من الذي سيتواجد في حفل الزفاف ثم ننشر الخوف، نوع أغطية الفراش، لنرغمهم على رؤيتها بوصفها واحدةً منا، سيكرهونها كثيرًا حتى أنهم قد يقتلونها بدلًا عنك».

 

النخبة تتصرف وفق ما تقتضيه مصلحتها

يتم الإعلان عن دورة ألعاب جديدة يشترك فيها جميع الفائزين في السنوات الفائتة، يخفي «سنو» النية الحقيقية وراء اللعبة الجديدة وهي قتل «كاتنيس» بشكل غير مباشر.

على المسرح أمام الجماهير، يمسك اللاعبون أيدي بعضهم البعض في محاولة منهم للتعبير باتحادهم ورفضهم ما يجري، يحاول «بلوتارك» إقناع «سنو» الذي أغضبه المشهد أنهم سيبدؤون بقتل بعضهم بعضًا في حلبة السباق من أجل مصالحهم الشخصية، مؤكدًا أن كل ما على «كاتنيس» فعله – وهو ما سيرغمها على فعله – أن تقتل أصدقاءها، وتبدأ بتوسيخ يديها بدماء حلفائها، وحينها سيبدأ الناس بكرهها.

 

مدرسة «جوبلز» الإعلامية

يلعب الإعلام دورًا هامًا هنا؛ فصانع الألعاب يعتبر المحرك الأساسي لما يجب أن يعتقده الناس في رمز الثورة، شبيهًا بـ«جوبلز» وزيرالدعاية النازي لـ«هتلر»، على الجانب الآخر تنشر قائدة الثورة المسلحة «كوين» مبادئها عن طريق الإعلام أيضًا، تحاول أن تخترق شبكات «الكابيتول»، تنشر الأفلام القصيرة المصورة عن جرائم «سنو»، تدفع «كاتنيس» لتسجيل كلمات تحفيزية من أجل إشعال لهيب الثورة، وفي المقابل يعمل «سيزر» المذيع المشهور على تشويه أبناء الثورة وقادتها بنعومة الحرير، مداعبًا قلوب ومشاعر الناس.

 

أنا أو الفوضى

استبدل إعلام النظام بتعبير «ثائرون» «متطرفون»، وأقحم معنى «حرب أهلية»، وجميع خطابات الرئيس «سنو» مفادها «أنا أو الفوضى»، «هتاكلوا مصر ولا إيه».

ففي أحد خطاباته للشعب يقول: «الكابيتول يمدكم بالنظام والحماية وأنتم تمدونه بالغذاء والعمل، كما يمد الدم القلب، الكابيتول هو قلب هذا النظام ولا يمكن أن نعيش دون قلب».

 

الثوار ينقلبون على بعضهم البعض

بشكل ما جعلوا «بيتا» رفيق «كاتنيس» ينقلب عليها وعلى الثورة، كيف فعلوا ذلك؟! لا ندري، ولكننا شاهدناه وهو يظهر على شاشات التليفزيون لتشويه رفاقه وتوجيه كلماته إلى الشعب بأن يتوقف عن أعمال الشغب.

«بيتا» الذي قتل «سنو» عائلته يرفع لافتة للدفاع عنه وعن نظامه.

تبدأ فئة «المواطنون الشرفاء» بالظهورعلى سطح الثورة، أفراد من الشعب الكادحين الذين ذاقوا الويل من النظام الديكتاتوري ينقبلون على الثورة ويستهدفون الثوار، في أحد المشاهد يهاجم أحدهم «كاتنيس» محاولًا قتلها فتقول له «مهما كان انتماؤنا فليس لدينا دوافع لقتل بعضنا البعض، باستثناء الدوافع التي خلقها الكابيتول. لماذا تقاتل الثوار؟ جيرانك؟ عائلتك؟».

وتقول أيضًا: «لدينا عدو واحد وهو «سنو»، لم يترك شيئًا إلا وأفسده، لقد ألب أخيارنا على بعضهم البعض، توقفوا عن القتل من أجله».

 

في الثورة.. لابد أن يكون هناك زفاف

ربما لأن الأمل في الثورة واجب التكليف، لذلك لا بد أن يتزوج أحد ما، أن يقسم أمام الله والناس أنه ملتزم بالحب والبناء والتعمير والإنجاب، أنه يحمل للبشرية خلقًا جديدًا أكثر صلاحًا.

لهذا تزوج «فينيك» و«آني» أمام الثوار وقد تليا نذورهما وأقسما على الوفاء بالحب.

 

لقد انشغلنا ببعضنا البعض عن العدو الحقيقي

لا أريد أن أصدمك بما يحدث في الجزء الرابع من السلسلة، ولكن ستنتابك المفاجأة حقًا، كان هناك عدو متخفٍ لئيم رمادي، ينادي بالحق وهو باطل، ينادي بالعدل وهو ظالم، يعد بالديمقراطية وهو أساس الديكتاتورية.

يقول «سنو» لـ«كاتنيس»: «لقد كنت مشغولًا بمراقبتكِ وكنتِ مشغولة بمراقبتي. لقد استغفلنا نحن الاثنين».

هكذا استطاع العدو الحقيقي أن يجعل «سنو» الديكتاتور الشرير أحمقَ، و«كاتنيس» الثائرة أشد حمقًا، ولكن ما يميز الأفلام أن الخيال ها هنا يستطيع تدارك الأخطاء وإصلاح ما فسد.

 

ختامه أمل.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

نعم.

الأمل مضر جدًّا بالصحة، فهو قد يدفعك إلى إنهاء حياتك، أو يدفعك إلى بداية حياة جديدة على ضفة أخرى.

 

ختام الجزء الرابع من السلسلة لهو العبقرية بأم عينيها. وهكذا يجب أن تكون خواتيم الثورات. ربما عليك أن تشاهدها بنفسك، وربما علينا أن نتعلم أن نعيش حياتنا لنتمتع بثوراتنا، ونجعل مِزاجها ربيعًا، تفوح منه روائح المتعة والسعادة.

 

وما كان جزاء الثورة إلا محبة واستقرارًا. ولكنها الثورة التي يظل أبناؤها في تمسك بها، يفنون حياتهم من أجلها، ويسعون إلى تبديد كل منغص لها، ربيع «ألعاب الجوع» انتهى بعينٍ تَأمَل، وقلبٍ يبني من أواصر محبته وطنًا جديدًا به العدل والأمان، تُؤدى فيه الواجبات وتُعطى الحقوق كما قال الكتاب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد