ما بقي له وما لم يعُد يمتلكه!

محمد علي من تُربة مصر الخِصبة، ويكاد يكون الآن الطمي الذى يهبه النيل للبلاد القاحِلة. ولا عجب لدينا في هذا التشبيه الكبير، فالشاب التائة في ملاقاة نفسه كان قد أدانه الوطن لأنه أعرب عما يحدُث في حقه، ربما لأنه يشبه عوام الشعب المُنهمكين في رحايا البلاد، أو ربما لأنه لسان الشعب المكموم عن إحداث تعبير بسيط.

أتذكر محمد علي كلاي حين كانت تحوم حول جسده الشاشات لبث حركاته للجماهير الغفيرة التي تنتظِر حسمه المبارة بضربة قاضية معلوم أمرها، حتى تعلو القهاوي والجلسات بالهتاف المستجيد «بطل الشعب»، هي اللحظة ذاتها التي أسمعها الآن على مرأى ومسمع الجميع حين يدلهم من يحمِل الاسم ذاته والصفة على أوجاع شعبه الذي نفر من جميع المنابِر المُستطلعة بتصنع عليه.

أو ربما يكون مولدًا من موالد البروفيسور في محاكاة مُناخ «la casa de papel» الذي يُريد أن يهب مُستحقات الشعب، بعد أن تراكمت مقدرات الأوطان تنهل منها كُل حاشية لنظام، وقد تهب استعطافك نحوه على سبيل البراء من لكنته البسيطة المُعبرة دون امتياز من تحضير أو تأجيل مُبتذل، لابتدار مفاهيم تليق بسياسي مُحنك.

وما كانت هذة الضجة التي اغتالت كُل رواج آخر، إلا أن الشعب قد وجد حقيقة من يُؤنس عليه، ويتواد به لمعالجة دائه، الذي لم يهِن حتى الحين لدواء، فالشاب قد ترك أعز ما يملُك وما لم يُعوض في هذه الحياة الدُنيا، وما بقي له فقط هو الحديث والحديث عن كُل طُغيان، قد جاب المال العام الذي هو مِلك للتوظيف لمصالح البلاد والعباد.

وللحديث عن أيقونته، ففي ملامحه تعبير مواطِن بسيط لم تخف عليه الأوجاع، مع بقية حديث عن وصف حال غُيب عن إدراك حياة، وهذا قد ألقى عليه عيبًا كبيرًا من رموز الثورة المدهونين بشعارات مُبتذلة مطلوقة نابعة من العوام!

فتارة تسمع أنه مُوال لرموز الإخوان الأعداء، بعد أن فر هاربًا بمساعدة حثيثة لاستئصاله من أهله، وتارة يبتدر لك وجه من الوجوه الإعلامية بأنه يخون الوطن بصُفحٍ تام، إلا أنه بكُل وضوح يراه لسان المعبر عنهم بأنه عجينة لا تختلف عن شاكِلتهم.

  • وفى مظنة الأمر ترى رموزًا قديمة تظهر فجأة لمواكبة الحدث، برفع شعار أنا أحق بالقيادة، وفي الحديث عنهم لا يسعنا إلا أن نقول كم أن الشعب كان يستوحش معالمهم، إلا أنه لم يعد لديه مُباع من إفادة على كُل ما حدث، فقد عرف من منهم يخاف عليه، ومن منهم في غير أحواله يُخاف منه.

وكان للعجب أن نذكر أن جموع الشعب تقف مُنتبهةً أمام أوجه المُنتهبين في تسخير جُزافي من تخويف وترهيب، غير أنها تبقى شامخة أمام إحداث كُل وصف عن أحوالهم، وكأننا في شيزوفرينيا حادة لا مجال لتشخيصها أبدًا. وإن أردنا أن نبين ذلك فما كان لنا إلا أن نذكُر أن الشعب لم يُمنح له متنفًا للتعبير لا من قريب أو بعيد، وما كانت الثورة إلا إهداءً من جمع مُخلصين كان قد تبعهم من وجدوا فيهم مناطًا لحرية أو كرامة، وهذا ليس تقليلًا من العوام وأنا واحد منهم، فالإشكالية دومًا تكون في أننا لم نُمنح قدرًا كافيًا للتعبير أو الإدانة، فالصمت معلوم حين الشِدة، والرهبة تُبث في أوصال الجسد حين إبراق السهم، وما كان الكتمان إلا تعبيرًا عن حديث غير مفهوم!

إلا أن الدهشة تعُم الجميع حين يفتح المجال للتعبير، فلن تجد حينها إلا طيورًا تُرفرِف بشدة بعد عناء اعتقال، وبعدها تجد من يقفِز على حقول المنابر المتعددة التي تود أن تقول إنها قد وهبت الخلاص للشعب، وما كُل ذلك إلا أننا كُنا من مواليد أسر قمعي يقود لنا أمانينا، بعد أن تركنا عقولنا لتوجيه مُخلص لأجل حياة لم تُكبح من إهدار الكرامة!

وما الحياة إلا أنها تُشترى بحرية مُطلقة محفوفة بتقدير آمن، وخيال فسيح يسع لأمان عجاف من واقع قمعي ينسف معالم تجسيدها، وعدالة انتقائية عن كُل محسوبية أو احتلال من طبقات عالية، وعيش كريم يُبتدر رغم الانتهاك الذي يقع على جسدٍ ضعيف، وتوجه بالدفاع والنصر بقمعٍ يقع على الغير، وتدوين كلمات لا رهبة لنا فيها من احتساب توابع لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد