عندما حلق أفلاطون في سماءِ خياله؛ ليُؤسس المدينة الفاضلة. وضع قوانين حياتية مُزدهرة تُعطي للمواطن أرقى وأكمل أنواع الخدمات، وبأسلوب حضاري بعيدًا عن التعقيد والروتين وسوء المُعاملة.

لكن الواقع أثبت فشل تحويل تلك الأحلام إلى حقيقة، لنحلّ ضيوفًا على جمهورية “الديستوبيا”، تلك الجمهورية المليئة بالشر، والقمع السياسي، والانهيار الاجتماعي، والفقر المدقع، والتلوث، والبطالة، وتقديس الأنا، والمثالية المصطنعة!

” مشكلة معظمنا. هو أننا نفضل أن يقتلنا المديح، على أن ينقذنا النقد”.

(نورمان فينسنت بيل)

البحث عن المدح وحب الظهور أصبح “آفة دودية”، تملكت من البعض للدرجة التي تجعل كل السلوك الإنساني مُنصب تجاه استيطان المدح والإطراء، وختم صكوك العداء لمن يحاول التوجيه مرشدًا كان أو ناقدًا. وهو ما جعلهم أشبه بالدُمّية جميلة الطلّة جوفاء الباطن، فأدمنوا المثالية المُصطنعة، ذلك الثوب البراق الذي يَضوي لجوهر مُتسخ، وكم نحن في حاجة لأن نرتدي جلباب طِباعنا!

عزيزي المثالي: هل كل ما تبحث عنه كلمة شكر وتقدير لإنسانيتك المُفرطة ونُبل أخلاقك وفضيلتك الجهورية؟!

لا بأس فلك كل ما سبق دونما أن تتاجر بقضايا مؤلمة.

دونما أن تؤذي آخرين بقسوة عباراتك وإسهاب تعنيفك.

دونما أن تُخلف عيون مُتورمة بدموع مكتومة.

المُعذبون في “جمهورية الديستوبيا”.

إن تلك المدينة الشريرة حتمًا تحتوي على “ركن أو مربع” يَنفرط منه ينابيع الخير، حيث (مبدأ التعميم)، التعميم في جميع حالاته “خطأ”، حتى في عبارة التعميم نفسها – لذا سوف استثني هذا المربع؛ الذي شهد وقفة احتجاجية برعاية أمنية واستنفار شرطي؛ للتنديد بوحشية “القائمين على تعذيب وقتل الكلب”؛ ولأجل المطالبة بحقوق الحيوانات، وتشريع قوانين لتجريم مثل تلك الحوادث. وكانت على الجهة الأخرى “أم تحمل طفلها المريض”، وتبحث عن كف يُداوي أناتها وضمير يتأوه لصراخها، تبحث عن من يُساعدها في مُعاناتها.

ازدادت أوجاعها حينما رأت بنصب عينيها من يقف تضامنًا مع “كلب قد مات مقتولًا”!، مطالبين بحقه. بينما هي لم تجد من يتضامن مع ابنها الحيّ والمقتول كمدًا بالمرض! وكذا ملايين غيرها لم يجدوا من ينتزع حقوقهم المسلوبة عمدًا من جوف الأنظمة الجائرة.

حقًا إنه “مربع مثالي” تنفجر فيه الإنسانية مُهللة، وتتعالى فيه صيحات الرحمة مدوية!!

أي إنسانية تلك؟! التي تجعل من يطالب بالرأفة مع الحيوان لا يمارس نفس الرأفة المطلوبة مع الإنسان.
أي ازدواجية تلك التي طوتها إحداهن بين ضلوعها؛ لتركل طفل يصرخ من مرضه ثم تستأنف آلامها على نباح الكلب المقتول!!

أي رحمة مزعومة يتبناها أصحاب الفخامة المُنددون بحادثة تعذيب الكلب، ويستنكروها على طفل مُعذب في الأرض، وكل ذنبه أن الله لم يخلقه كلبًا!

أعزائي الصفوة، أتألمتم حقًا من مشهد تعذيب الكلب؟

يؤسفني أن أقول أنكم لا تختلفون كثيرًا عن همجية هؤلاء الذين تجردوا من إنسانيتهم، واستباحوا قتل كلب، فأنتم أيضًا استبحتم قتل مشاعر أم ثارت لأجل علاج رضيعها.

فالرحمة لا تتجزأ، فمن ثار منكم برحمته تعاطفًا مع الكلب، حتمًا كان سيثور تعاطفًا مع الطفل المريض وأمه المسكينة.

الثورية جدائل مُخصلة تختار الأحرار لتلتصق بهم!

أكثر ما بهرني في تلك الأم أنها اعتبرت أن قضية ابنها جزء من “هموم الوطن المتليف”، فلم تُطالب فقد بعلاج ابنها المريض، ريثما طالبت علانية في إحدى البرامج الحوارية؛ بأن تنظر الحكومة بعين الرأفة إلى ملايين الحالات المقهورة اجتماعيًّا، ولا تجد من يقف تضامنًا معها وقفة إنسانية!

لتصبح رسالتها درسًا شموليًّا في معيارية الرحمة، وتعلن أن ثورتها التي قامت بها ليست من أجل مطلب فئوي يخص أسرتها البسيطة، بقدر ما هو انتفاضة على الإهمال الجسيم الذي يُخيم بظلاله على سماء الوطن.

وتُشير بعفويتها المُنسابة من وجنتيها بأنه ثمة فرق شاسع بين (الثائر والثوري) ولا سيما يتضح هذا الفارق متجليًا في استراق مطالب ثورة يناير المجيدة، وبالأخص تحقيق العدالة الاجتماعية.

الثائر والثوري وأحلام العدالة الاجتماعية المقبورة

الثائر: هو صاحب الموقف الثوري الأحادي، الذي يثور من أجل (مصلحته) الشخصية وتعديل أوضاعه الفردية، ولا مانع أن ينضم لجماعة ثائرة تُطالب بنفس مطالبه، بشرط أن يعمل كل منهم لمصلحته الخاصة، وما إن قرر المسؤول التفاوض مع أحدهم، ليساومه بتنفيذ مطالبه، بشرط أن ينشق عن الجماعة، حينها سيقبل الثائر العرض المقدم له، ليس لشيء سوى أنه لا يحمل مبادئ الثورية على عاتقه.

أما الثوري: فقد تشبع بمبادئ الثورية على مدار التاريخ. بدأ في الجماعة الثورية ولن ينتهي إلا مع نفس الجماعة. فهو يثور من أجل حقوق جماعية مطلوب انتزاعها من جوف الظلم، ولا يثور من أجل مطالب فردية تخص محيطه الشخصي، إنما من أجل مطالب عامة، تخص جموع الشعب الغفيرة.

الثوري الحقيقي هو ذلك الغارق في الترف والحالم بترف الطبقات الكادحة فيناضل من أجل الغير؛ لا من أجل نفسه، ينتفض لأجل ترسيخ العدل ووأد الظلم، دونما يكون هو طرف في “المعادلة المظلومة”، ودونما البحث عن الكاميرات التي تجلب الشهرة له.

وقد خلق هذا الالتباس المعرفي في استبيان الفرق بين ماهية المصطلحين شيئًا من التخبط لدى العامة، فقد توارى الحق بين دروب الظلم، وغاب العدل في عباءة الفساد.

عودة القمع الضال!

تأَصَل القمع السياسي الذي تمارسه الأنظمة الحاكمة في نفوس العامة، فقد استمد البعض شرعيتهم القمعية من أسيادهم؛ ليمارسوه بنفس منهجيته تجاه بعض أطياف الشعب من المستضعفين والمساكين. ولنا في المداخلة الهاتفية التي أجراها الطبيب – أحد المعنين بالوقفة الاحتجاجية تضامنًا مع الكلب ماكس- دليل حيّ على ممارسة القمع باحترافية بالغة، فسرعان ما ألقى بشهادته التي حاول من خلالها أن يسلب حق الأم وطفلها؛ انتفاعهما بهذا التعاطف الذي استحقته من عموم الشعب.

محاولًا إقصاءها مرارًا، بنبراته المتغطرسة وأسلوبه المُتعالي؛ لتنضح إنسانيته المؤسفة، وفضيلته المُسرطنة؛ إذ إنه قد عرض على تلك الأم المسكينة “مساعدة مالية” لكنها رفضت تلك المساعدات ساعيًا بامتعاض توضيح كذبها.

لترد هي بغلاظة وتستنكر ما قاله، وصدقًا لا يعنيني كذب هذا الطبيب من عدمه بقدر ما يعنيني أنه حاول فقط أن يُفسد حالة التعاطف التي اكتسبتها الأم حتى لا تزاحمه في بطولية المشهد، وحتى لا تكشف ازدواجيته المُسفة وفضيلته المزيفة، والتي سرعان ما سقطت عندما جاهر بعرض المساعدة المالية.

فمن الفضيلة أن لا نجاهر بفضيلتنا ونبل أخلاقنا0

ملائكة الرحمة وطرقات المستشفيات

كشفت تلك الأم أيضًا قضية تباطؤ وتراخي المستشفيات في إسعاف مرضاهم، ومحاولة التنصل من الحالات الحرجة، والفساد التعاوني بين مؤسسات الدولة.

أسماء ليست الحالة الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة بقتامة المشهد الحالي؛ مع احتفاظي متمنيًا بالتسويف، بأن تنتهي تلك المهازل الإنسانية؛ التي ينفرد ببطولاتها “الإهمال”، و”اللامبالاة الضمائرية”.

حالة أسماء تتكرر بشكل يومي مئات المرات، في مستشفيات الحكومة الموقرة، التي يتعفف أطباؤها حتى مجرد الاستماع لشكاوى مرضاهم وقلق ذويهم.
ويتبع سلسلة الأطباء المُقصرين، حكيمات تدربن على صم الأذن، فينشطر اهتمامهن ما بين البحث عن (إكرامية) أو مطاردة الأطباء لاستكمال مسلسلات الغرام المزمن في طرقات المستشفيات. ولن تسلم أذنيك من صراخ إحداهن بهمجية حينما تقول: (أنا لست بخادمة عند أهلك)، “إلا من رحم ربي”.

عزيزي المتضامن مع الكلب ماكس والمندد بموقف أم الطفل المريض:

استنكر واستنكف كما تريد، فلا استنكارك سيوقف كلماتي ولا استنكافك سيرقق عباراتي.
عزيزي القارئ: ها نحن قد وصلنا لمحطتنا الأخيرة

مرحبًا بك فأنت على مشارف جمهورية الديستوبيا، لم نبتعد عنها كثيرًا، لكننا أبحرنا لبضع دقائق داخل “مربع هش” يتصف بالفضيلة والإنسانية ويتوارى بأمعائه نفس الأزمات الأخلاقية، التي نعاني منها في باقي أنحاء الجمهورية.

عزيزي المسؤول: كن راعٍ يعمل لصالح رعيته، ولا يعمل فوق جثثهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد