جاءت المسيحية عقيدة بلا شريعة أو نظام حكم، وقد ظل عيسى -عليه السلام- يخطب ويعظ الناس ويرشدهم حتى رفعه الله دون أن يطلب السلطة يومًا أو يمارسها. ولم تعرف النصرانية السلطة إلا بعد تنصر الإمبراطور قسطنطين الذي خلط المسيحية بالوثنية، فصبغ إمبراطوريته بغطاء نصراني خارجي دون أن يتغير شيء في تشريعاتها أو قوانينها القائمة قبل نزول المسيحية بقرون طوال. ولذلك عندما انتزعت الكنيسة في أوروبا خلال فترة من الفترات السلطة من الملوك والحكام، لم تجد نظامًا مسيحيًّا خاصًا لتحكم به رعاياها، فادعت أنها إنما تتحدث باسم الرب، وتقدم للشعب صكوك الغفران، فتدخل هذا الجنة وذاك النار. وبذلك كرست لحكم ثيوقراطي بغيض مارس كل أنواع الفساد والرذائل، وفاقم مشكلات أوروبا في عصور ظلامها، ونفر الناس من الكنيسة، وجعلهم يلجأون إلى العلمانية هربًا من تسلطها.

هذا الوضع يتناقض تمامًا مع الكيفية التي جاء عليها الإسلام؛ فالإسلام نزل عقيدة وشريعة وتأسست دولة الإسلام مرتبطة بالدين الذي حدد أركانها وأحكامها ونظامها السياسي والاجتماعي والمالي. لا مجال هنا لـ«دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله» فالإسلام جاء بالحكم في دولة نظامها السياسي وتشريعاتها تابعة للدين لا سابقة عليه. وهذا النظام السياسي نظم من بين ما نظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وحقوق وواجبات كل منهما، وارتكز على مبادئ ثلاثة لضمان سلامة هذه العلاقة، واستقرار الحكم في الظروف الطبيعية، وإلا عانت الدولة من الضعف والانهيار. هذه المبادئ الثلاثة هي: سيادة الشريعة، والعدل، والشورى.

وسيادة الشريعة في النظام الإسلامي لا تعني مطلقًا المصادرة على دور ومهام السلطة التنفيذية التي تضع على كاهلها مهمة تطبيق النصوص الشرعية في أرض الواقع، وتنظيم شئون الناس لتستقيم حياتهم. فالحياة تأتي كل يوم بمستجدات لا تنتهي لم تكن موجودة في السابق، والظروف تتغير والعالم يتبدل، واستحداث وسائل تتواءم مع هذه المستجدات والظروف دون مخالفة النص الشرعي هو من صلب مهام السلطة التنفيذية. وهنا يبرز الدور المحوري للعلماء والفقهاء في تأويل النص الشرعي لتطبيقه. فلا سلطان على الفقيه إلا علمه وتقواه، وإن جعل لحاكم السلطان عليه فسدت حياة الحاكم والمحكومين بفتاوى وتأويل فاسد، يجعل من الفقيه واحدًا من علماء السلطان الذين لا يخلو منهم عصر من العصور.

وقد جاءت الشورى في الإسلام لتؤكد مدنية الدولة، وأن الحاكم ليس مفوضًا من الله وإنما بشر يخطئ ويصيب، ويحتاج للمشورة، ومن ثم تنفي آفة الاستبداد على من يأخذ بها من الحكام، وتؤسس لنظام تعددي لا يعرف حكم الفرد الواحد، ويعترف بالكفاءات ويقدر الشباب ويثق بهم، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب. والأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي لا تعد ولا تحصى، ويكفي فقط أن نؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو المعصوم- كان يشاور أصحابه في الأمور التي ليس بها نص شرعي.

ويأتي النظام القضائي في الإسلام ليزين الدولة بالعدل، ويحكم بين الناس على اختلافهم بالحق حتى أنه يترك للمتخاصمين حرية اختيار القاضي الذي يتحاكمون إليه، فلا تكون في نفوسهم ذرة شك في الحكم الصادر بحقهم. وقد حدد عمر -رضي الله عنه- صفات القاضي بإيجاز وإعجاز؛ فالقاضي عنده يجب «ألا يصانع، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع»، الأمر الذي يضمن استقلالية القضاء ونزاهته، وقد حذر الإسلام بشدة من فساد القضاة وظلمهم؛ إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحق فعلم ذلك فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة». (الترمذي)

وهكذا رسم الإسلام ملامح نظام الحكم في دولته، ووضع المعايير والشروط التي تضمن استقلالية السلطات داخل الدولة، وبقيت الشريعة هي أداة التكامل والتناغم بين هذه السلطات على استقلالها وحيادها تجاه جميع المواطنين. فالدولة وسلطاتها إنما وجدت لحراسة الدين وصيانة الشريعة، وباتت شرعية السلطة في الإسلام مرتبطة بتطبيق الشريعة وإقامة العدل، وإن فكر الحاكم أن يمارس الطغيان تحت أي مسمى سقطت شرعيته فورًا. فإقامة الشرع والطغيان نقيضان لا يستويان.

هذا لا يعني أن دولة الإسلام دولة ملائكية مثالية، وإنما يعني أن النموذج الإسلامي نموذج مثالي؛ كلما اقترب البشر من تحقيقه على أرض الواقع فازوا بسعادة الدارين، وكلما ابتعدوا عنه شقوا وضلوا. ولعل معيار الحياة وجودتها داخل الدول الإسلامية المتعاقبة عقب دولة الخلافة الراشدة خير دليل على ذلك. فالدولة الأموية ومن بعدها العباسية ثم العثمانية لم تدم على حال واحد وقسمت إلى عصور ضعف وقوة وازدهار وانهيار، وخلفاؤها منهم من أصاب ومنهم من ضل، ومنهم من عرف بعدله وجهاده ومنهم من عرف بلهوه وفساده. وهكذا هو حال البشر في صعود وهبوط حتى قيام الساعة، ولكن يبقى الحق حقًّا والباطل باطلًا وتبقى المعايير التي وضعها الإسلام لصيانة العدل والشريعة قائمة لا تتغير، وصالحة لكل زمان ومكان وإن أهملها البشر.

في النهاية لزم التنبيه لأفضل المكاسب التي تجنيها الدولة من تطبيق الشريعة وصيانتها؛ ألا وهو تماهي الدولة مع الشريعة في عيون الناس وقلوبهم. إذ يغدو الدفاع عن الدولة دفاعًا عن الدين، والدفاع عن الدين دفاعًا عن الدولة. فكلاهما ارتبط بالآخر ارتباطًا عضويًّا، وأصبح وجود الدولة وحمايتها ضرورة لصيانة الشريعة. ومن ثم تختفي كل الإشكالات التي ظهرت في العالم الإسلامي عقب سقوط الخلافة والمتعلقة بفكرة الانتماء. فواحد من أهم الأسباب التي تجعل طيفًا واسعًا من المواطنين لا يشعرون بالانتماء لأوطانهم هو كون هذه الأوطان أوطانًا علمانية منفصلة عن الدين، أو في أفضل الأحوال أوطانًت تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض.

ولا ينبغي هنا أن نراهن على كون الشعوب قد ألفت هذه الأوضاع الشاذة، وأنها إنما تريد ذلك الفصل وتؤيده. فالأوضاع المأساوية التي تعيشها الشعوب العربية الآن إنما تجعلها تفكر في حياة جديدة مختلفة وعادلة، وهذه الحياة يدرك معظمهم أنها لن تتحقق إلا بعودة الأوطان لتحكم بالإسلام.

المصادر:

1- النظام السياسي في الإسلام

2- الكبير في الحديث والجامع الصغير وزوائده ج 11(مسند عمر بن الخطاب ص367) – جلال الدين السيوطي

3- النظام القضائي في الإسلام – ويكي الكتب (حرية اختيار القضاة واستقلاليتهم)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!