من أنا ومن أكون؟ إلى ما انتمي؟ وما هو دوري في هذه الحياة؟

هذه التساؤلات على بساطتها إلا أنك لن تستطيع الإجابة عليها إلا بعد تفكير طويل، فتحديد هوية الإنسان ليس بالشيء الهين على الإطلاق، فالهوية في اللغة إشتقت من هو أي هو هو نفسه وحقيقته وصفاته الجوهرية، وقال عنها جيدنز في كتابه علم الاجتماع: «تتعلق الهوية بفهم الناس وتصورهم لأنفسهم ولما يعتقدون أنه مهم في حياتهم»، وقد عرفها دكتور محمد ابراهيم عيد في كتابه الهوية الثقافية العربية في عالم متغيرعلى أنها: «مفهوم اجتماعي نفسي يشير إلي كيفية إدراك شعب ما لذاته، وكيفية تمايزه عن الآخرين، وهي تستند إلى مسلمات ثقافية عامة، مرتبطة تاريخياً بقيمة اجتماعية وسياسية واقتصادية للمجتمع».

إذن الهوية تنبع من داخل الفرد عن طريق صفاته الفردية وفطرته التي ولد بها وتميزه عن غيره بالإضافة إلى وعيه وفهمه لذاته، يتشكل كل ذلك متأثراً بالمجتمع المحيط به وثقافته، لذلك هناك ارتباط وثيق لا ينفك بين الثقافة والهوية.

علاقة الهوية بالثقافة

 فالثقافة كما عرفها دكتور سعيد المصري في كتابه مقدمة في الأنثروبولوجيا الثقافية قال: «المقصود بالثقافة هو كل الأشكال السلوك والرموز والمعاني التي تتيح للناس العيش في جماعات»، ويعرفها إدوارد تايلر في كتابه الثقافة البدائية: «الثقافة هى ذلك الكل المركب الذي يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والتقاليد وكل العادات والقدرات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع»

فقد اتفق علماء الاجتماع على أن الثقافة متغيرة ومتجددة بحسب المجتمع التي تنشأ داخله، ذلك المجتمع الذي يتمركز حول علاقة الفرد بالمجتمع، فالفرد هو النواة المؤسسة للمجتمع ومن ثم هو طرف فاعل في الثقافة يأخد من الموروثات القديمة ويطور ويجدد فيها بما يلائم عصره وأسلوب الحياة القائم فيه، وهو أيضا غير منعزل عن ثقافات المجتمعات الأخرى فيتبنى بعض العادات أو السلوكيات التي لا تناقض هويته.

الهوية المصرية المتداخلة

لذلك الهوية أيضاً لا يمكن أن تكون ثابتة طوال الوقت، فهناك هويات تغيرت وغيرها امتزجت مع هويات أخرى لينتج عنها الوضع الحالي، مثال على ذلك نجد أن في الحضارة المصرية تعددت الهويات لكثرة الاستعمار فما كان إلا أن المستعمر يحاول في كل مرة تأصيل هويته عن طريق أحد من عناصر الهوية مثل اللغة أو الديانة أو السياسة ونتج عن ذلك تعدد الثقافات أيضاً.

ففي العصر الفرعوني كانت الهوية المصرية وحدة واحدة بالطبع مختلفة عما أصبحنا عليه اليوم، وهذا الاختلاف نتج بدأ ينمو منذ البدايات الاستعمارية نجد أن الإغريق مثلا حين دخلوا مصر قديماً قبل الميلاد لم يحدث صراع حاد للهويات فأعادوا بناء وترميم الكثير من المعابد الفرعونية القديمة وحافظوا على تقديس آلهتهم وبنوا معابد جديدة للآلهة اليونانية، وتوددوا كثيرا للمصرين فعلموهم وتعلموا منهم لكنهم غيروا اللغة الرسمية للبلاد واستخدمت في الإدارة أما في الشارع المصري حصل تزاوج للغة فقد أخذ المصريون بعض المترادفات والحقوها باللغة المصرية، وبذلك تغير عنصر أساسي من عناصر الهوية ولكن دون إخلال بباقي العناصر فنشأ نوع من الانصهار بين الحضارتين وكذلك تداخلت الأنساب والهويات، وإن كان الصراع قائما فكان المصريون هم الطبقة الدنيا في معظم جوانب إدارة البلاد. 1

لكن الوضع اختلف تماماً مع الغزو الروماني فكان الصراع أشد عنفًا، فأراد الرومان طمس الهوية المصرية وأرادوا فرض الهوية السياسية والدينية الرومانية، فهدمت المعابد وتدخلوا في كل شيء وإستاء المصريين لهذا الوضع كثيرا شعروا بالتهديد المباشر الذي يهدد وجودهم فلم يتقبلوه لكن بالرغم من ذلك فقد أثر الوجود الروماني علي الشخصية المصرية وعاداتها ولغتها وطريقة معيشتهم.

العنصر المؤثر القوي التالي كان حين دخلت المسيحية بتعاليمها وأفكارها وتعلق بها معظم أهل مصر وشكلت الديانة الجديدة وقتها جزء أصيل في شخصية المصريين، وبعدها دخول الإسلام، ثم إضفاء الهوية العربية إلى الشخصية المصرية وتغيرت معها العقول والأفكار فأصبحت القومية العربية جزء من أصول الهوية المصرية.

 في كل فترة تتغير تركيبة الهوية تارة بالعنف وتارة التراضي والإختيار، والنتيجة هى تطور الشخصية المصرية كما هى عليه الآن، فالهوية المصرية تحمل في طياتها عدة هويات مرتبطة بثقافات مختلفة، فلم تتغير الهويات نتيجة الاستعمار وحده وأنما اختار البعض هويات مختلفة فتجد من يعتبر نفسه مصري مسلم أو مسيحي أو غيره، وهناك من يعتبر الأرض والمنطقة الجغرافية هي هويته مثل أهل النوبة والريف والصعيد، لكل منهم مجموعة مختلفة في العادات والسلوك وحتى الأعياد لكن جميعهم تحت مظلة الهوية المصرية.

 هذا الخلاف لا يكون ودي طوال الوقت، نجد أن عقب ثورة يناير نشب صراع بين الفصائل المصرية على ما هو الأصل والتي ستصبح عليه هوية الدولة، فصعدت أصوات تنادي بالدولة المصرية الليبرالية العلمانية مقابل الدولة المصرية الإسلامية وأمتد ليصل للأحزاب السياسية فتوسع الخلاف واحتد وأنكر كل فصيل الآخر ونكل به.

الوجه القبيح الهويات

أيضاً لا ينبغي أن نغفل عمن تمسك بالهوية بشكل مبالغ فيه سواء الهوية العرقية أو سياسية أو الدينية، من منطلق فرض هوية بعينها وتأصيلها وجتياحها لحقوق الآخرين، فنشأت الفاشية المدمرة في ألمانيا، وكذلك قضت الجماعات الأمريكية على معظم الهنود الحمر ليحتلوا مكانهم وأرضهم، وأيضاً الحملات الصليبية الاستعمارية وكذلك زرع الكيان الصهيوني الإسرائيلي على أرض فلسطين بمزامع حقهم الديني والحفاظ على الهوية اليهودية، أما في العصر الحديث نشأت فكرة العولمة على أن العالم قرية صغيرة ونبذ الهويات والعرقيات، ولكن سريعا ما تراجع الخطاب العالمي عن هذا الخطاب وأصبح التمسك والتفاخر بالهوية والعنصرية واضطهاد الآخر هو سمة الشعوب الحالية.

وعلى كل ما سبق نجد أن الأصل في الهوية هو الفرد نفسه ومدى وعيه بذاته والآخرين حوله، فهو مركز الدائرة التي يتكون حولها دوائر لا حصر لها قد تشترك وتتداخل أحياناً أو تتعارض في أوقات أخرى، لكن ما يهم حقا هو أن يدرك الفرد ما هيته الحقيقية وعليه سيعرف دوره ومكانه في هذه الدنيا إما معمر للأرض أو مدمر لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد