الفكرة كانت سؤالًا، سؤال طرحه ناشط أفغاني إيراني، بمحض الصدفة كان موجودًا في بريطانيا، فرمى سؤالًا عن مدى اهتمام بريطانيا في إنشاء الجامعة الإسلامية والتي تضم مصر وتركيا وإيران وأفغانستان ضد روسيا القيصرية؟ كان هذا محض سؤال أتَى من العدم، كأنما يقول هذا الناشط: هل تريدون مني خيطًا يسهل عليكم ضرب عصفورين بحجر؟ الوطن العربي والقومية العربية من جهة، ومن ثم الإسلام من جهة أخرى! من هو هذا الناشط الشبابي؟ دع الشغف والحماس يسيطر عليك.

كانت بريطانيا في تلك الفترة تبحث عن طريقة لتلبيس الإسلام ثوب ليس له ولم يرتده يومًا، هو التطرف والتشدد واللعب على أوتار القبلية والعرقية والانتماءات الدينية، والوقيعة الشديدة بين الأقليات، وكل هذا من أجل خدمة بريطانيا، كانت الأطماع تجوب في خاطر كل من روسيا وفرنسا، ولكن للأسف بما أن بريطانيا كانت قد احتلت المنطقة وتتحكم بملايين المسلمين كان لها الفوز في خلق هذا الفيروس ونقله من عقل إلى آخر، حتى يدمر الجهاز العربي وأن يجعل الإسلام فكرة مترنحة في المنطقة حتى تسقط مثلها مثل حمامة وقناص ماهر أجاد التصويب.

دعني أعرك من حماسك، وأقل لك: بأن من اقترح فكرة الجامعة الإسلامية عام 1885 هو جمال الدين الأفغاني، وأيدته المملكة المتحدة في هذا، أو كما يوضح التاريخ على الأقل لمرة واحدة عام 1882 وفق ما جاء في السجل السري لمخابرات الحكومة الهندية، فقد عرض الأفغاني نفسه رسميًا أن يذهب إلى مصر في صورة عميل للمخابرات البريطانية.

لذلك يعتبر جمال الدين الأفغاني هو مؤسس الجامعة الإسلامية ويعتبر الجد الأعلى لأسامة بن لادن، ليس من الناحية الفعلية إنما أيديولوجيًا، وكان ترتيب اليمين الإسلامي له مراحل وهي: جمال الدين الأفغاني (1838-1897) يلهم فيها تلميذه محمد عبده (1849-1905) وهو ناشط مصري يؤيد الجامعة الإسلامية، بعد ذلك محمد رشيد رضا (1865-1935) وهو تلميذ محمد عبده، سوري الأصل، قام بتأسيس مجلة المنار للدفاع عن أفكار محمد عبده، ثم بعد ذلك حسن البنا (1906-1949) وقد تبنى السلفية الإسلامية من خلال مجلة المنار، وأسس الإخوان المسلمين في مصر عام 1928.

من الأشخاص الذين تتلمذوا على يد البنا: زوج ابنته سعيد رمضان (المنسق العام للإخوان المسلمين في سويسرا)، وأبو الأعلى المودودي (مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان، أول حزب سياسي إسلامي مأخوذ من أفكار البنا)، ثم تتلمذ على يد البنا رجل سعودي شارك في الجهاد الأفغاني الذي قادته أمريكا، وهو يدعى أسامة بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة.

يعتبر محمد عبده حجر الزاوية للإخوان المسلمين الذين سيطروا على اليمين الإسلامي، حيث قامت بريطانيا بزراعته وسط الحكام المصريين خلال القرن العشرين، ولكن قبل إطلاق هذا السلاح تم التمهيد لاستخدامه من خلال برنامجين في الوطن العربي، البرنامج الأول: كان في منطقة الجزيرة العربية حيث ساعد البريطانيون مجموعة من بدو الصحراء وقاطنيها من المتشددين بقيادة آل سعود ومحمد بن عبد الوهاب في تأسيس أول دولة إسلامية متشددة في السعودية (نسبةً لآل سعود)، أما البرنامج الثاني: كان تشجيع الهاشميين (حكام مكة)، وهم عائلة عربية تدعي الانحدار من سلالة الرسول محمد ونصبتهم بريطانيا في الأردن ومستمرين حتى اللحظة وفي العراق سقطوا عام 1958 في بغداد، وطبعًا مثلما نشاهد على الساحة اليوم، نهضت الدولة الوهابية المتشددة ذي الطابع السلفي والذي له انخراط تنظيمي مع الإخوان المسلمين.

لكن الأفغاني هو من بدأ العملية هذه برمتها، وكانت فكرته الأساسية، وبعد وفاته كتب الكثير من الكتب عنه وعن سيرته الذاتية قيل فيها أنه من الأناس الجامحين في الإسلام ويسعى إلى رفعته وجمعه وتطييبه من كل الشوائب، ولكن جمال الدين الأفغاني فرق ولم يجمع، استخدم الدين كأداة للوصول لما يشبعه، لهذا، جمال الدين يعود إليه الفضل في تطوير الأساس النظري للإسلام السياسي الجامع والحركة الاجتماعية التي انتشرت في العالم الإسلامي، والفقهاء جميعهم أجمعوا أن هنالك غموضًا ومخالفة فيما ذكر، كيف تجمع بين الانخراط السياسي والوظيفة الاجتماعية للدين؟ وهذا جزء من خطابه في محفل عام للناس في مصر:

“إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم، وأنتم تحملون عبء الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتهم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم ومواد غذائكم التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهكم بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم معرضون، فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية، وفي رؤوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بهذا الذل وهذه المسكنة، وتناوبتكم أيدي الرعاة، ثم اليونان، والرومان، والفرس، ثم العرب، والأكراد والمماليك، والعلويين، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت، أنظروا أهرام مصر، وهياكل ممفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، عيشوا كباقي الأمم أحرارًا سعداء، أو موتوا مأجورين شهداء”.

إظهار التقوى، وإن كانت تقوى مستعرضة ومزيفة هي إحدى الوسائل التي تستخدمها جميع الحركات الإسلامية اليوم في لحس العقول التائهة دينيًا، أو لربما الذين لا يؤمنون بهم، كانت البداية سؤال ثم تلتها نكبات واليوم هي الإجابة، ما تعيشه المنطقة العربية من صراع ديني دموي والعودة بنا إلى العصور الوسطى والحكم بما أمر الله ورسوله، هذا الشعار الباطل الذي دسه المتأسلمون الجدد في عقول الشباب واتجهت أنظارهم نحو الشعب باختلاف عقائدهم، الصراع الذي خطط له منذ قرن من الزمن لتسيطر على حالة المنطقة.

الحقيقة حتى الآن غائبة عن البعض في هذا المحوَر، الجدل الذي انتشر، ما هو الصائب؟ وما هو الخاطئ؟ نعيد ونكرر، ثوب التشدد وعمامة التطرف التي لبسها المتأسلمون ومحاربة الجميع ولا داعي للبناء، إن كان اسم الله انتشر ما هي إلا فكرة دخيلة على الإسلام كونه الدين المنتشر في المنطقة العربية، لضرب الوجود العربي وتشويه الإسلام وإعادة احتلال المنطقة اقتصاديًا ودينيًا واجتماعيًا وثقافيًا كما نشهد حاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد