لتعميق الموضوع الذي يشغلنا أكثر فأكثر، ينبغي لنا تحديد أولًا ماهية الأيديولوجيا، ثم العلاقة التي تربطها بالأنساق الفكرية كالعلم الوضعي أساسًا. ومن هنا يمكن القول إن مصطلح الأيديولوجيا حديث العهد نسبيًا، إذ لا يتجاوز في نشأته واستخدامه قرنين من الزمن، وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن الفكر الأيديولوجي لم يكن مسبقًا. يعود الفضل في استخدام مصطلح الأيديولوجيا إلى المفكر الفرنسي أنطوان دستيت دي تراسي (1836-1754) Antoine Destut de tracy في كتاب له بعنوان «تخطيط العناصر الأيديولوجية» المنشور عام 1801، وكان يهدف من ورائه إلى تأسيس علم جديد إسمه «علم الأفكار» والذي يَهْدِمُ كل معرفةٍ تقوم على الإيمان والاعتقاد الغيبي.(1)

إن قصور المعرفةِ في نظر دي تراسي لا يرجع إلى ضعف فطري في العقل الإنساني، ولكن إلى قصور في منهج التفكير، حيث أن العقل يجب أن يقيم قطيعة مع الأساطير والخرافات، والمعرفة ينبغي أن يقودها التفكير السليم، وهكذا فإن علم الأفكار هو العلم الأولي الذي يوجه كل العلوم الأخرى، والأيديولوجيا في نظر تراسي هي نظرية النظريات وكانت ملكة العلوم؛ لأنها سبقت بالضرورة كل العلوم الأخرى، التي استخدمت أفكارًا بالضرورة.

مصطلح الأيديولوجيا idéologie من أصل يوناني، مركب من مقطعين: Idea ومعناها فكرة، وLogos معناه علم، لتكون ترجمته اللغوية الدقيقة هي علم دراسة الأفكار، أو العلم الذي يدرس مدى صحة الأفكار من عدمِها.

ممّا لا جدال فيه أن تعاظُم قوى الإنتاج هو دليلٌ على التقدم العلمي والتقني المعاصر، فمنذُ أن تحوّل العلم إلى قوة منتجة ذات وظائف اجتماعية، بات قوة أيديولوجيا باعتباره يلعب دورًا محوريًا في منح المشروعية للنظام الاجتماعي والسياسي الحديث المؤسس على العقلانية التقنية. ولذلك يرى هابرماس أنه ينبغي انتقاد الأيديولوجيا من خلال بوابة نقد الحداثة والمجتمع الحديث الذي يجمع بين العلم والتقنية والصناعة وحوَّلَ ذلك إلى قوة منتجة أولى.

في البدء لابد أن نشير إلى أن الأيديولوجيا في السابق كانت مرتبطة بمفهوم الطبقة الاجتماعية، فالطبقات هي صاحبة الأيديولوجيا، ومن تم فإن الأيديولوجيات العظمى هي أيديولوجيا الطبقات، وهي الوعي الفاسد لهذه الطبقات الذي يحاول أن يقدم عن الواقع تصورًا يبدو في ظاهره حقيقيًا، في حين أنه مجرد وهم يرتبط بمصلحة طبقة معينة كما ذهب ماركس إلى ذلك. نفهم من هذا القول إن مفهوم الطبقة الحاكمة هو الداعم الأول والمباشر لنظرية في الأيديولوجيا، وبالتالي إذا كان أساس أسلوب الإنتاج الرأسمالي أسّسَ لصراع الطبقات الاجتماعية، فإن الرأسمالية المنظمة دولتيًا حسب هابرماس أوقفت الصراع الطبقي. وبعدما انهارت الأيديولوجيا البورجوازية؛ الطبقة الحاكمة في ذلك الحين، (الأيديولوجيات الكلاسيكية) راحت السيطرة السياسية تُطالِب بشرعية جديدة تكون خالية من الصراع.

لم يعد ثمة نقاءٌ في مقاصد العلم ولا صفاءٌ في مغزى التقنية من منظور هابرماس، فكلاهما تجرّد عن حياده في إطار العقلانية التقنية، أسقط العلم في إرادة القوة السياسية بالمعنى النتشوي، بات خاضعًا لها وخادمًا لحساباتها السلطوية، وهو الأمر الذي شرعت له ما يسمى بالتيارات الوضعية والتحليلية، لذلك قام هابرماس بنقد الوضعية positivism وللنزعة التقنية Technicisim وللعلموية، باعتبارها كلها تجليات مختلفة للأيديولوجيا المكونة للحداثة والتقنية.(2) ويَجمُل بنا أن نذكر بأن الوضعانية، في نظر هابرماس تحاول جعل العلم في مرتبة القداسة، لدرجة يغدو فيها إيمانًا مقتنعًا بقدرته السحرية الخارقة على تقديم أجوبة عن كل الأسئلة ووضع الحلول لكل المشاكل.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية يذهب فيلسوفنا إلى نقد هذا التحالف العضوي الذي جمع في الزمن الحديث، بين العلم والتقنية والصناعة الحربية والإدارة. ومنذ أن جرى تسييس العلم والتقنية، أصبح التقدم العلمي-التقني هو المحرك الرئيس لتوسع نطاق قوى الإنتاج مما كرَّسَ التصورات العلموية بقوة أكبر (انتصار النزعة الوضعية)، والحال أن العِلموية هي المحاولة التي تجعل العلوم وحدها تحتكر المعرفة.

إن النظرية النقدية بصفة عامة جاءت كرد فعل ضد الوضعية التي استبعدت بداية مع أوغست كونت البعد الإنساني، والتأملي، والأخلاقي في عملية البحث، حيث جرت دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية موضوعية تجريبية، باستخدام الملاحظة والتكرار والتجربة دون تفسيرها، لأن التفسير في نظرهم مرتبط بالتأملات الفلسفية الميتافزيقية التي تم استبعادها. ومن هنا دعا هابرماس من خلال دراسته للحركة الفكرية للعلم إلى مُعَاوَدَة تنشيط المعرفة العلمية، من خلال إعادة الاعتبار للتفكير الميتافزيقي، والتصورات الدينية للعالم، وهو ما عمل الوضعانيون على نفيه، وإعطاء للتأمل الذاتي دوره الفعّال بكونه فعلًا فلسفيًا. بينما الوضعية لا تعطي قيمة للتأمل، فهي لا تعترف إلاّ بالمعطى الحسي، وما يحقق الواقعة في شكلها التجريبي الملاحظ. ومن هنا يرى هابرماس أن سبب إهمال المعرفة التي تركت مكانتها لنظرية العلم هو نُكْران الفكر التأملي من منظور التيارات الوضعية. والواقع أن النظرية النقدية ليست نظرية تأملية-مثالية، ولكن دورها يتجلى بالأساس في نقد مبادئ الفلسفة العلموية وبنقد للأيديولوجيا.

يرى هابرماس أن في المجتمع الرأسمالي المعاصر هناك أزمة المشروعية، تحديدًا بعدما تم استبعاد التصورات التقليدية عن العالم، سواء كانت سحرية، دينية أو ميتافزيقية، حيث لم يعد لها دور حاسم في خلق التوازن داخل المجتمع. لكن في المقابل تَكَرَّسْتُ سيادة العلم بٱعتباره قوة منتجة وايديولوجية، أصبح هو البديل الوحيد الممكن في المجتمع الرأسمالي المتطور، وهنا يهاجم الفلسفة الوضعية التي نسجت خيوط هذا الواقع.

هابرماس يُؤَاخِد على النزعة الوضعية مثله مثل هوسرل في نقطتين أساسيتين: أولًا كونها أدت بالعلوم إلى الاعتقاد أن ثمة وقائع يمكن أن تدرك وصفيًا، ثانيًا كونها أغفلت العالم التي تصدر عنه هذه الوقائع، وكذا الإطار الترنسندنتالي الذي من دونه لَا يَصِحّ الحديث عن أية معرفة علمية.(3)

إذًا نية فيلسوفنا واضحة تتجلى في إعادة بناء النزعة الوضعية التي جاءت على أنقاض التصورات التقليدية للعالم، ولا سيما الميتافزيقية منها، وعلى فهم لا تاريخي للعلم يحيل المعطيات إلى معطيات مباشرة، وذاك برد الاعتبار للتفكير الذي تم نفيه، واستئناف النظر في التأمل الذاتي، كفعل فلسفي يعطي للعلوم التجريبية قيمتها الإجرائية الحقيقية، وللعلوم الاجتماعية مكانتها الفعلية في التقسيم للعمل النظري.(4) وللإشارة العلوم الفيزيائية والرياضية والنزعة الوضعية لا يعترفون بمنهج التأمل الذاتي ولا يقران له بأية قيمة، لا يعترفان إلا بالإنتاج الممكن للمعرفة.

نفهم من هذا أن حركة الانتقال من نظرية المعرفة إلى نظرية العلم، أفرزت إقْصَاء للتفكير الفلسفي، الذي يعتبر من المبادئ التي جرت نفيها من ميدان البحثي للوضعية العلموية. كذلك جرى استبعاد الفهم في مقابل اعتماد التفسير؛ حيث إنه لا يمكن في نظرهم أن تتحقق المعرفة العلمية إلا من خلال التفسير الذي يتحدد بواسطة التحليل المنهجي للأساليب العلمية.

يبدو جليًا إذًا أن الخلاف الجوهري بين هابرماس والنزعات الوضعية يتمثل في الموقف من العلوم التجريبية، ودورها الأيديولوجي كنزعات تضفي صفة الشرعية على أشكال الرقابة والهيمنة داخل المجتمع الصناعي المتقدم، ومهما أكد الوضعيون على الوظيفة المُحايدة للعمل في المجتمع الديموقراطي، وعلى الموضوعية التامة لعملياته ونتائجه، فإن هابرماس يعتبر أن موضوعية التجربة العلمية نفسها تتجذر داخل لحظة تتداخل فيها الذوات، وتتفاعل من خلالها اللغة المشتركة. بَيْدَ أنّ العِلموية تعمل دومًا على إخفاء هذه اللحظة التي تسمح للذوات بالتفاهم والتفاعل داخل المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد