على الرغم من مرور 40 عامًا على اغتياله، فإن السادات لم يزل صنمًا مقدسًا في الثقافة المصرية، حاله كحال غيره من الأصنام المقدسة في الأوساط المصرية، ولكن السادات كان حالة فريدة من نوعها نظرًا لكونه جمع ما بين أيقونة رجل السياسة وصَنم رجل الدين، فجعل من نفسه رجل العلم والإيمان، والرئيس التقي المؤمن ورجل الحرب والسلام؛ أما أنا فأحب أن أدعوه بـ«فرعون الجمهورية الأول».

من السينما إلى الرئاسة

بعد وفاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، اجتمع في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 1970 مجلس الأمة، واللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الإشتراكي، واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي حتى يتفقوا ــ وفقًا للقواعد الدستورية ــ على المرشح الرئاسي؛ والذي كان حينها هو النائب محمد أنور السادات، وبعد اتفاق المؤسسات السياسية الثلاث على أنور السادات رئيسًا للجمهورية؛ أُجري استفتاء شعبي في الخامس عشر من أكتوبر للعام نَفسه لاستقصاء رأي الشعب في المرشح أنور السادات كرئيس للبلاد؛ وبالفعل حاز السادات على موافقة شعبية بنسبة 90%؛ وقد كانت تلك النسبة دليلًا على ضعف شخصية السادات نظرًا لكونها نسبة ضئيلة مقارنةً بجمال عبد الناصر الذي حاز على 99.9% من أصوات الشعب، فكانت تلك ثاني علامات ضعف أنور السادات في المشهد السياسي؛ حيث كانت أولى العلامات هي توجيه أصابع الخيانة له حين تغيب عن دوره في خطة ثورة يوليو ــ الثورة التي جاء بيها الضباط الأحرار ليطيحوا بالملك فاروق والنظام الملكي ــ فعلى الرغم من تلقي السادات رسالة من عبد الناصر يخبره فيها بأن «خطة الثورة ستنفذ بين 22 يوليو و5 أغسطس» فلقد جاء السادات من العريش إلى القاهرة يوم 22 يوليو (تموز)، وأصطحب زوجته جيهان السادات إلى سينما الروضة، وحضروا البرنامج الكامل للسينما، والذي كان يعرض ثلاثة أفلامًا؛ بل علاوة على ذلك فلقد أقام السادات شجارًا في السينما، وتمت كتابة محضر عن المشاجرة حتى يكون دليلًا على تواجده في السينما في حالة فشل خطة الثورة؛ وذلك كُله كان قبل قيام الثورة بساعات معدودة، تلك العلامات جعلت موقف السادات في الحكم متوترًا بشكل أو بآخر؛ فهو الآن رئيس لشعب يَعُج باليساريين والناصريين الذين اعتادوا كاريزما عبد الناصر في حين أنه لا يمتلك رُبع هذه الكاريزما؛ هو رئيس يستخف به رجال الحكومة وفقًا لشهادة محمد ثعلب نائب وزير الداخلية أنذاك في حديثه مع BBC في برنامج «فراعنة مصر المعاصرون: السادات»، ففي ظل هذه الظروف الضعيفة التي واجهها السادات لم يكن أمامه سوى أن يسير على نفس خط جمال عبد الناصر، ولكنه سار على هذا الخط بـ«أستيكة» كما سنرى لاحقًا.

مفتاح القبول في قال الله وقال الرسول

في أولى فصول كتابه «الأمير» الذي ظل الكتالوج الأول لأي حاكم مستعمر أو سياسي تَوسعي مِثل هِتلر؛ يحكي لنا مكيافيلي عن أولى الأسس التي يجب أن يغرسها الحاكم المحتل في الدولة التي احتلها، وتلك الأسس ببساطة تتلخص في التقرب من الطبقة الفقيرة أو المظلومة في الدولة المحتلة، ذلك لأن الطبقة المظلومة تكون الأكثرية، فِعند مساعدة الحاكم للشعب المظلوم في الدولة التي احتلها ووهمهم بأنه واحدًا مِنهم؛ حينها يصبح الحاكم في موقف أكثر تماسكًا في البلاد التي احتلها ويستطيع ضمان عدم انهيار احتلاله مع مرور الزمن، وهذا بالفعل مع فعله السادات؛ فلقد اختار السادات دعم ومُوالاة الجماعات الإسلامية في مِصر بحكم أنها كانت الطبقة المقموعة في ظل حكم عبد الناصر، ومن ثَم أخلى سبيل كل معتقلي التنظيمات الإسلامية، وعلى رأسهم زعماء تنظيم 65، وجماعة الإخوان المسلمين، ولكي يتمم البيعة أهداهم الألف واللام في البند الثاني من الدستور؛ البند الذي ينص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي للتشريع»، فأضاف السادات للبند ألف ولام ليصبح: «مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع»، وعلى غرار هذا البند تم تخصيص مبادئ التشريع على مبادئ الشريعة الإسلامية فقط لتصبح هي المصدر الرئيس، لا مصدرًا رئيسًا وحسب؛ مما جعل الجماعات الإسلامية تتلذذ بأحقيتها الضمنية في البلاد بعد أن أعطاهم السادات الحرية والحق في التشريع؛ مما أسفر عنه فيما بعد مقتل فرج فودة، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، ومقتل وزير الأوقاف الأسبق محمد حسين الذهبي، على أيدي تنظيم التكفير والهجرة الذي يرأسه شكري مصطفى؛ الشاب التكفيري الذي سار على خُطى الأفكار الجهادية لسيد قطب، والذي كان أُطلق صراحه من قِبل السادات فور توليه الحكم، هذا التطرف وهذه الفوضى هي نِتاج التساهل الذي قدمه السادات للتنظيمات الإسلامية حتى يكونوا رفاقه في السلطة، وداعميه في نظام الحكم، كل هذا الدعم نتج عنه اعتقاد التنظيمات الإسلامية بأنها تملك الحق في التكفير، والذم، وإهدار الدم، والاغتيال.

لها الحق في تكفير كل من هو دونها، كما فعل شكري أحمد في تنظيم التكفير والهجرة، حين قال بأن أي فرد خارج هذه الجماعة ومناف لفِكر هذا التنظيم فهو كافر قولًا واحدًا، وبعيدًا عن اختيار السادات للفِكر الديني بسبب الأسباب التي طرحها ميكيافيلي، والتي ناقشناها سابقًا، إلا أن هناك سببين مهمين جعلا من الفِكر الديني سلاحًا ثمينًا يجب استخدامه، أول سبب هو أن الشعب المصري لم يؤهله قمع النظام الملكي لفِهم العلمانية والمدنية بالشكل اللائق الذي يجعله غير مُعرض للتسليع الديني، ولي الذراع والرأي عن طريق النصوص الدينية أو توجيهات الشيوخ والكهنة، وبالتالي نتج عن هذا الاطلاع المحدود على العلمانية شعب يَخرَس لسانه وترتجف أذانه أمام جُملة: «قال الله وقال الرسول»، فكانت هذه الميزة الفريدة من نوعها أمرًا لا يمكن تفويته من قِبل السادات؛ نظرًا لكونها قادرة على إخضاع إرادة الشعب، وتوجيه آرائه بين اليمين وبين اليسار.

أما السبب الثاني لاختيار السادات الفِكر الديني كسلاح هو أن التنظيمات الإسلامية تختلف أشد الخلاف مع اليساريين والناصريين، ونظرًا لكون السادات جاء ليمسح نظام عبد الناصر بـ«أستيكة» كما قلنا سابقًا، فكان الفِكر الديني حينها هو أنسب سلاح للاستخدام، نظرًا لكون السادات والتنظيمات الإسلامية يتشاركون نفس الأعداء، ألا وهم الناصريون واليساريون.

وبالفعل بدأ السادات أولى خطوات قمع اليساريين من قلب جامعة القاهرة، فقبل ذلك الحين كانت جامعة القاهرة تنعم بحرية الاعتقاد، بل وصلت حرية النقد الديني حد انتشار الرسومات التعبيرية عن الأديان على جدران الجامعة؛ ففي جامعة القاهرة انتقد اليساريين الدين والله والرسول والقَصص القرآنية على الملأ ليلًا نهارًا، فقدم السادات على طبق من فضة لطلاب الجماعة الإسلامية بالجامعة أحقية ضرب وسحل اليساريين، بل قام السادات بتوظيف رجال الشرطة ليرعوا أفعال الشغب والضرب التي أقدم عليها طلاب الجماعة الإسلامية؛ وذلك وفقًا لشهادة خالد زعفراني الزعيم الطلابي حينها المتحدث عن الجماعة الإسلامية ولشهادة أحمد بهاء شعبان الزعيم الطلابي حينها المتحدث عن اليساريين في حديثهما مع BBC في برنامج «فراعنة مصر المعاصرون: السادات»، فلقد تعمد السادات الطعن في الوجود اليساري في مصر بشتى الطرق الممكنة حتى يُنهي وجود اليساريين والمعارضين من أمامه حتى يخلو حكمه ويصفى ذهنه من أي محاسبة، وذلك هو وصف الطاغية عِند الدكتور إمام عبد الفتاح إمام حينما قال: «الطاغية هو ذلك الحاكم الذي لا يخضع للمساءلة ولا للمحاسبة ولا للرقابة من أي نوع»، وها هو ذا أنور السادات؛ صفى وجود اليساريين من أمامه، واستخدم تسليع الدين كسلاحه الأساسي في الحكم، واعتمد في خطاباته على غرس مفاهيم العبيد بالمواطنين، فلقد اعتمد السادات دومًا على محادثة المواطنين بقوله «يا أبنائي»، فهو يعتبر الشعب أبناءه الصغار الذين يجهلون الطريق الصواب من الخطأ، والذين تجب معاقبتهم إن أخطأوا، وتجب رعايتهم آناء الليل وأطراف النهار، وقد وصل السادات إلى أرذل التهور السياسي حين اتفق مع أمريكا والسعودية على إرسال أسلحة من مِصر إلى أفغانستان لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، فوفقًا لحسنين هيكل في كتاب «الزمن الأمريكي: من نيويورك إلى كابول» فأمريكا كانت العقل المدبر لهذا الاتفاق؛ نظرًا لكون الاتحاد السوفيتي ألد أعدائها في هذه الفترة؛ فترة الحرب الباردة. وكانت مصر هي المسؤولة عن تصدير السلاح لأفغانستان نظرًا لكون وجود أي سلاح أمريكي الصنع في أراضي الحرب ما بين الأفغان والسوفيت سيشكل مشاكل كبيرة قد تصل للحرب بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وكانت فائدة مِصر من هذا الأمر هو مصادقة الدولة الأقوى حينها ألا وهي أمريكا، ولم ينكر السادات بأن مصر صدرت أسلحة ومعونات للأفغان، بل اعترف بهذا الأمر في حواره مع همت مصطفى، بينما كان دور السعودية يتشكل في الدعم المادي وتصدير الشباب المجاهد لأفغانستان بجانب مِصر، وكانت الفائدة كذلك هي مصادقة أمريكا في هذا الوقت ، وبعد خروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان وبعد إنهياره تمامًا؛ لم تولي الدول الثلاثة أدنى اهتمام للشباب الأفغان الذين وهِموا بأن مصر وأمريكا والسعودية جاءوا دفاعًا عن قضيتهم، وأنهم رافضين الاحتلال الواقع على بلادهم، وفور إدراك المجاهدين لتلك الغفلة التي وقعوا فيها مع الدول الثلاث، وأنهم كانوا مجرد أداة لتحقيق أغراض ومصالح الدول الثلاث؛ هبوا وانفجروا بأفكارهم على كُل مِن الثالوث السياسي؛ مِصر وأمريكا والسعودية، فمِصر عانت كثيرًا من الفكر الوهابي المتطرف، ولم تزل تعاني حتى يومنا الحالي، والسعودية غرقت في التطرف والإرهاب، وكانت أبسط نواتج هذا التطرف هو اقتحام جهيمان العتيبي الحرم المكي حين حاصره، وادعى أنه المهدي المنتظر، وأما أمريكا فلاقت الجزاء الأصعب على يد أسامة بن لادن حين فجر برجين التجارة العالميين في حادثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، ولقد اعترفت هيلاري كلينتون في الكونجرس الأمريكي بأن أمريكا تحارب الإرهاب الذي صنعته هي نفسها قبل سنوات مضت، وفضلًا عن توغل السادات في هذا الاتفاق، وفضلًا عن التطرف الذي أتى بِه السادات على مِصر؛ ففي هذا الاتفاق خيانة للاتحاد السوفيتي؛ فتصدير أسلحة للأفغان لكي يحاربوا بِها الاتحاد السوفيتي يعد معاداة غير مباشرة للاتحاد السوفيتي الذي ساند مِصر منذ النكسة في 67 وحتى الانتصار في 73 باعتراف الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته «حرب أكتوبر»، وبالطبع قبل ختم هذا الحديث البسيط عن السادات يجب علينا ذِكر حرب أكتوبر، وكيف أجهض السادات الانتصار في الحرب على حد تعبير سعد الدين الشاذلي.

إجهاض الاِنتصار عن طريق دفرسوار

بعد تهميش دور الفريق سعد الدين الشاذلي في حرب أكتوبر عن طريق نزع اسمه من كل الأفلام التي صورت عن الحرب، وعن طريق إقالته من منصبه وتعيينه سفيرًا في لندن ومن ثَم سفيرًا في البرتغال، وبعد مجئ القشة التي قصمت ظهر البعير عن طريق قول السادات في كتابه «البحث عن الذات» بأن الشاذلي هو السبب في حدوث ثغرة دفرسوار في حرب أكتوبر، حينها خرج الشاذلي منفجرًا بمذكراته «حرب أكتوبر» ليروي ويؤرخ ما تسبب في حدوث الثغرة ويؤرخ غيرها من أحداث الحرب، بعد نجاح القوات المصرية في السيطرة على جميع حصون العدو وبعد ما كانت خسائر القوات المصرية هي خمس طائرات، و20 دبابة، و280 شهيدًا فقط، بينما كانت خسائر إسرائيل هي 30 طائرة، و300 دبابة، وبضعة آلاف من القتلى، أتى وزير الحربية ليخبر القادة بأن السادات يُجبرهم على تطوير خطة الهجوم؛ مما قُبل هذا القرار بالرفض التام نظرًا لكون تطوير خطة الهجوم سيؤدي إلى كشف منطقة بين الجيش الثاني والثالث، وهو ما حدث بالفعل؛ فبعد تطوير الهجوم استطاعت المدرعات الإسرائيلية شارون العبور عبر منطقة دفرسوار، وحينها اقترح الشاذلي سحب الفرقة 21 مدرعات، والفرقة 4 مدرعات، وتوجيه ضربة للعدو؛ فرد عليه السادات قائلًا: «لا أريد أن أسمع هذه الاقتراحات مرة ثانية. لو أثرت هذا الموضوع مرة أخرى سأحاكمك» وبعدها – كما توقع الشاذلي – جرى حِصار الجيش الثالث المصري بالكامل مما دفع السادات إلى طلب وقف إطلاق النار، وعليه جرى توقيع اتفاق فض الاشتباك المصري الإسرائيلي في يناير 1974، وفي رأي الفريق الشاذلي في السادات أجهض الانتصار عن طريق خطة تطوير الهجوم، وعن طريق التخلي عن الجيش الثالث؛ حتى يكونوا ضريبة التخاذل، ووقف إطلاق النار، وبعد كتابة هذه المذكرات جرت محاكمة الفريق الشاذلي بحكم 15 سنة من السجن بتهمة نشر أسرار حربية، على الرغم من أن السادات نفسه تحدث عن أسرار الحرب في كتابه الخاص.

هو ذا محمد أنور السادات صنم وجب تحطيمه وتحطيم أيقوناته، صنم العلم والإيمان الذي اعتاد احتساء كوب من الفودكا بعد كل غذاء، صنم يسلع الدين، ويضع لنا أساس التكفير والجهاد، خان الضباط الأحرار في السينما، وخان الوطن في دفرسوار، وخان الشعب في الإنتفاضة الشعبية التي اندلعت ضده بسبب الفقر في يناير 1977، وخان المفكرين حين اعتقل 1500 شخص من مفكري مِصر واليساريين والإخوان أيضًا؛ حتى لا يشهد معارضة لمعاهدة السلام المزعوم، هو ذا السادات صنم من أصنام السياسة والدين في مِصر، وثن مقامه المناسب هو التحطيم والاندثار للأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد