أسعدني الحظ بحضور مسرحية الإلياذة رائعة هوميروس في قصر الثقافة الكبير بمدينة غرونوبل الفرنسية، والحق أني تلقيت تذكرة الحضور على سبيل الهدية من أحد زملائي بالجامعة «جامعة غروبول» حيث أدرس، وقد عرفت فيما بعد أن هذا النوع من الهدايا – تذاكر المسرح والمتاحف ومعارض الفن إلخ- مما تجري به عادة المهاداة بين الفرنسيين بعد الكتب والروايات والمجلات المصورة «مجلات الكوميكس»، لاحظت أن التذكرة مكتوب عليها «فئة طلبة»، وهي الفئة التي تحظى بالدعم؛ فالتذكرة مخفضة من 20 يورو -وهي قيمتها الحقيقية- إلى ستة يوروهات!

لم تسعني الفرحة وأنا أصعد الدرج متوجهًا إلى بوابات بيت الثقافة قابضًا على هديتي بيد والمظلة باليد الأخرى، في ليلة شديدة المطر والبرودة، وجدتني مُحبطًا في البداية، وحدثت نفسي أنه نظرًا إلى حالة البرودة فلن يكون هنالك جمهور يذكر، غير أنه قد خاب ظني لأنني وبعد اجتياز البوابات، هالني أعداد الموجودين في صالة الاستقبال، لن أكون مبالغًا لو قلت طوفانًا من البشر قادمًا ليشاهد المسرح، هناك رأيت مختلف طبقات المجتمع الفرنسي من السيدات الأرستقراطيات المتدثرات بالمعاطف الأنيقة، إلى الرجال المتعطرين ذوي الياقات البيضاء، إلى كبار السن بعصيهم الغليظة والكاسكيت الفرنسي الأصيل، إلى طلبة الجامعة والمدارس بقمصانهم الملونة ذي الشعارات العجيبة والجينز، الكل – الكل بلامبالغة – في حالة نشاط وابتهاج، وكأنني في مولد! على أن النظام يحكم كل شيء، ويقوم عليه بالتالي مجموعة من الفتيان والفتيات.

استقبلتني واحدة من أفراد هذه المجموعة، فتاة نحيفة سمراء كان واضحًا لي من سمتها أنها من الطلبة المتطوعات في بيت الثقافة لتنظيم حركة الجمهور، شجعتني حفاوتها على أن أسألها عما إذا كان هنالك أمر غير عادي، ضحكت وقالت: «أنت غريب عن البلد يا سيدي، فذلك شأن كل ليلة، وكل ليلة لدينا عروض في مختلف القاعات!»، اعتذرت عن جهلي، وقالت وهي توصلني إلى باب القاعة حيث ينتظر جمهور الإلياذة بدء العرض: «مشاهدة سعيدة وليلة سعيدة مسيو»، لا أعلم لماذا حضرت إلى ذهني «كل سنة وانت طيب يا باشا» التي يصفعك بها «البلاسير» (هو الرجل الذي يساعدك على العثور على مكانك في ظلام قاعة السينما، وقبل أن تجلس يطالبك بالإكرامية)، لكن الفكرة طارت من ذهني بالسرعة نفسها التي اختفت بها الفتاة من أمامي لتستقبل غيري! ووقفت أنتظر مع الواقفين وقد تبادلوا الهمهمات أمام أبواب القاعة حتى أخرست هذه الهمهمات صيحة عالية قادمة من وسط الجمهور.

الصيحة كانت عبارة عن كلمة «اخرسي» وجهها شباب في نهاية العشرينات إلى امرأة ثلاثينية كانت معه، كانت المرأة أكثر حدة من الشاب؛ إذ ردت عليه «بل يجب أن تسمعني من أجل حبنا»، وبدأ الشجار فتحلق الموجودون بالبهو حول المتشاجرين، ووقفت أراقب للحظات أن يتدخل أحد، واتخذت مكانًا قريبًا جدًا كي أقوم بالواجب وفيما أنا أحاول ترجمة جملة «استهدوا بالله يا اخواننا» بالفرنسية في ذهني؛ كي أقولها جاهزة بغير لجلجة أو تأتأة، إذ صدمت آذاني جملة صرخ بها الشاب للمرأة :«أفي سبيل (هيلين) الساقطة نقتل أنفسنا يا (أخيل)؟ فترد المرأة بالحدة نفسها:«بل هي مشيئة الإلهة اللعينة يا (برسيس)! والأسماء الثلاثة هي أسماء أبطال ملحمة الإلياذة! فأخيل هو البطل المسيني الأسطوري، وبرسيس بنت ملك طروادة الأسيرة، وهيلين زوجة ميلانون ملك إسبرطة! ضج الجميع وأنا منهم بالتصفيق، إذن فالمشاجرة مقتطف ذكي من العرض الذي ابتدأ لتوه ولكن، من خارج خشبة المسرح!

أذهلتني الفكرة عن باقي الحوار الحاد بين أخيل بطل الإغريق، الذي تلعب دوره امرأة قوية الملامح في بلوزة قصيرة وجينز وحبيبته برسيس في ملابس شبيهة، وقد أشركا في شجارهما نفرًا من الواقفين حتى تساءلت هل هم من الممثلين أيضًا أم أنهم من المشاهدين أمثالي، ثم حسم (أو حسمت) أخيل المشاجرة وقد احتضن محبوبته ليقول: «دعينا من آلة الحرب، وتعالي نشرب نخب الحب»، واختفيا وراء أحد الأبواب الصغيرة فيما انفتحت خلفنا مصارع أبواب القاعة، ليبدأ دخول الجمهور قبل ظهور الممثلين على خشبة المسرح الحقيقية هذه المرة.

بدأت المسرحية بعد الدقات الثلاث التقليدية بمشهد تحاور آلهة الإغريق «هيرا وأثينا وأفروديت وزيوس» ثم انقسامهم فشجارهم حتى إعلان زيوس بداية حرب طروادة، ولاحظت أن الإله في المشهد تلعب دوره امرأة بينما الإلهة يلعب دورها الرجل، وهي الفلسفة نفسها التي اعتمدتها مخرجة العرض وبطلته بولين بايل (قامت بدوري أخيل وزيوس) في توزيع الأدوار لأبطال المعركة، كما تقدم في مشهد المشاجرة بين أخيل (المرأة) وبرسيس (الرجل) قبل بداية العرض. وقد نجحت المخرجة نجاحًا كبيرًا في تصوير معارك أسطورية باستخدام الأبطال الستة (وهو عدد الممثلين الكلي بالمناسبة) فقط مع توظيف كشافات خشبة المسرح المتوترة بين الخافتة والساطعة، وبجرادل الدهان الحمراء التي تدل على الدماء والورق المذهب والمفضض للدلالة على دروع المقاتلين، فيما لم تتغير ملابس الأبطال الستة العصرية الخفيفة التي حضروا بها وانصرفوا بها على الأرجح. نحن إذن أمام أداء وأصوات وحركات الممثلين فقط، وبدون موسيقى مصاحبة غير أصوات أوبرالية صدح بها الأبطال أنفسهم على خلفية المعارك!

أذهلني أداء الممثلين، لاسيما تمثيل انتقال المشاهد من الحميمية الحارة بين الحبيبن (أخيل) و(برسيس) إلى المبارزة في وسط المعركة بين (باتروكولوس) ابن عم (أخيل) و(هيكتور) ابن ملك اسبرطة إلى المبارزة الأسطورية بين (أخيل) و(هيكتور) قاتل ابن عمه ثم العودة إلى شجار الإلهة مرة ثانية، انتقال سلس وذكي وموظف للغاية، يلعبه ممثلون مقتدرون علمت فيما بعد أنهم من الهواة! من فرط إعجابي قررت أن ألتقط صورة للممثلين أثناء العرض، وليتني ما فعلت؛ إذ إنه ما إن أضاء فلاش الكاميرا حتى التفت الجالسون أمامي وحولي إلي في استياء واستنكار فعرفت أن ذلك ليس من آداب المسرح الفرنسي، حتى إن السيدة الجالسة إلى جواري همست إلى صديقتها بصوت سمعته «لا بد أنه غريب»، وكنت المقصود بالطبع، فانكمشت في مقعدي خجلًا.

دام العرض حوالي ساعتين ظلت فيه عيناي وأعين الكثيرين معي معلقة بخشبة المسرح، وانتهى العرض فجأة، فكأنما انساب انسيابًا وسط الجمهور المأخوذ بالأداء والإخراج. في الختام ظهر الممثلون على خشبة المسرح أربع مرات لتحية الجمهور، وهو ما عددته من تقاليد المسرح الفرنسي أيضًا. نهضت من مقعدي فاستوقفتني السيدة العجوز التي كانت تجلس إلى جواري سائلة إياي في أدب «من أي بلد أتيت؟» فلما أجبتها أني مصري يدرس في فرنسا قالت: «أعتقد أن المسرح لديكم مختلف عن هنا؟» فلما أجبت بنعم قالت إنها تتمنى أن تشاهد عرضًا مسرحيًا عن الفراعنة في مصر، فوجدتني أحادثها في البهو عن مسرح شوقي وعن مصرع كليوباترا وعن قمبيز وعن مسرح باكثير وصلاح عبد الصبور، فهزت رأسها متظاهرة بالفهم – وربما فهمتني رغم فرنسيتي العرجاء – ولكن قبل أن تودعني فقالت: «المسرح بالنسبة لنا من الأوقات العظيمة التي تستغرقنا حتى تحفظها الذاكرة، والذي تحفظه الذاكرة أجمل ألف مرة مما تصوره عدسة الكامير، احفظ عني ذلك أيها الشاب المصري، بون سواريه» وخرجت وخرجت وراءها حيث استقبلني المطر والصقيع من جديد، فوجدتني أستقبلهما بسرور هذه المرة ولم لا؟ وقد أمضيت ساعتين متصلتين من الفن والإبداع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد