نظر إلي في حماس شديد، يمكنك أن تشعر بالحماس يتدفق من كل خلية من خلايا وجهه، وقال لي بنفس الحماس: “هاجيبلك فكرة جديدة ومختلفة مفيش حد عملها قبل كده”. لا أحب أن أمارس دور الناقد المُحبِط دومًا، لكن كلماته تلك أصابتني بشعور أشبه بالغثيان، فحاولت تمالك أعصابي قدر الإمكان وسألته “ليه؟” فكان رده: “أصل إحنا مختلفين ولازم نجيب أفكار مختلفة”. إجابته أصابتنى بالذهول فقررت عندها أن أتوقف عن الحديث، فكما تعلم نحنُ بنو الإنسان عندنا مرارة واحدة فقط.

طريقة التفكير تلك تسيطر على العديد ممن يعملون في المجالات التي تطلب ما يسمى بالتفكير الإبداعي، مثل التصميم والدعاية والمحتوى، أو التسويق بشكل عام. فتجد نفسك مطالبًا بإيجاد أفكار مختلفة على الدوام لكي تحظى بالتصفيق الحار في النهاية مصحوبًا بكلمة “دمت مبدعًا يا صديقي!”.

هل هناك ما يسمى إبداع حقًا؟

السؤال يبدو غبيًا للوهلة الأولى، أو دعنا نتفق أنه سؤالٌ غبى بنسبةٍ كبيرة، لكن ليست هذه النقطة التي أود الحديث عنها. دعنا نفكّر سويًا بصوتٍ مرتفع ونتساءل عمّا إذا كانت كل الأفكار التي نراها حولنا هي أفكار جديدة لم يفكّر بها أحد من قبل؟

لا تتسرع بالإجابة يا صديقي فالسؤال يحتاج لتفكير عميق!

ألم يسبق لكَ يومًا أن حاولت التفكير في شيء جديد ومختلف، وحين توصلت للشيء الذي يجعلك تقف أمام المرآة تنظر لنفسك نظرات الزهو والإعجاب، ولكن تفاجأ أن تلك الفكرة المبدعة قد سبقك بها أحدهم ربما من سنوات فاتت؟ يا لخيبة الأمل يا صديقي!

العام الماضي حاولت أيامًا عديدة أن أجد اسمًا للمشروع “المبدع” الذي حاولت مع بعض الأصدقاء تنفيذه، وبعد تفكير كثير كدت معه أن أصاب بما يشبه الجنون، توصلت لقرابة الخمسين اسم في كل مرة أقول هذا الاسم لم يفكّر فيه أحد من قبلى، وكانت الصدمة ذاتها في كل مرة.

الأفكار لا تفنى ولا تستحدث من العدم ولكن تتحول من صورة لأخرى!

أزعم أن قانون بقاء المادة ينطبق هو الآخر على الأفكار، لا توجد فكرة جديدة بنسبة مائة بالمائة، ولكن هناك فكرة تم التعديل عليها وتطويرها، أو فكرة تم استلهامها من فكرة أخرى، أو تم دمج مجموعة أفكار قديمة، وفى جميعهم تنظر إلى الفكرة وتنبهر بشدة، بل إن أصحاب الأفكار القديمة سيصابون بنفس الانبهار أيضًا، ولو علموا أنها أفكارهم لما انبهروا!

أظنّك الآن قد تتساءل لماذا اعترضت على ما قال لي صديقي في البداية، فربما هو يقصد ما قلته في الفقرات السابقة. حسنًا، ما قلته في الفقرات السابقة ليست هي الفكرة الأساسية التي أريد عرضها هنا!

لا للإبداع.. نعم للفن!

تعريفنا للإبداع قد يختلف من شخص لآخر، ولكن أظن أننا نتفق أنه عملية إيجاد أفكار جديدة ومختلفة. هذه هي نقطة الاختلاف يا صديقى: لماذا نبحث عن أفكار جديدة ومختلفة؟ هنا يأتي الفن، فالفن – عندى – هو الإبداع لغاية محددة. أظن أن الفكرة التي أود طرحها قد وصلتك، ولكن دعني أوضحها قليلًا، لا تقلق أوشكنا على الانتهاء.

الغاية التي يُفعل من أجلها الفعل أهم من الفعل ذاته، فكم رأينا من أفكار مختلفة ومبدعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولكنها كانت كوهج الكاميرا، يضيء بشدة لثوانٍ قليلة وسرعان ما يزول.

الغاية لأي عمل مثل النيّة في العبادة، لا يُقبل العمل بدونها، والنيّة هي التي تفرق بين ركعتي الفجر السنة من ركعتي الفجر الفريضة.

الغاية والنية شيئان خارجان عن ماهية العمل نفسه، لكنهما يسبقان العمل لا يتبعانه، وبهما تتفاوت الأعمال والدرجات… قد أكون ابتعدت قليلًا عن موضوع المقالة ولكنه كان مثالًا للتوضيح فقط.

يقول الرسام الشهير بابلو بيكاسو “الفن هو السرقة”، ولكنّي أزيد على ذلك بأن الفن هو السرقة لهدف، السرقة لغاية، وليست السرقة لمجرد السرقة، وليست البحث عن الاختلاف لمجرد الاختلاف.

التفكير الإبداعي هبة عظيمة، ومهارة تحظى باحترام الجميع، ولكن التفكير غير الموجه لغاية وهدف لا يحمل أي معنىً، ولن يضيف أي قيمة للشخص المتلقي، لن يغيّر شيئًا في العالم.

يقال إن الفن يغير حياة الشعوب، وهذه حقيقة، نعم الفن يغير حياة الشعوب، ولكن ذلك الفن الذي يتدفق من صاحبه ويبثُّ فيه كل ذرةٍ من ذرات روحه، فهو يفعل ما يفعل وهو يعلم أن ما يفعله سيغير العالم، أو على الأقل سيغير من حياته هو، وبهذا يصل.

ولكن الأعمال المبدعة الخالية من تلك الغاية هي مجرد أجساد خالية من الروح، أشياء بلا معنى، أجسام جامدة لا تحوي أي إحساس، لا تخاطبك ولا تتفاعل معك وتثير كل ذرةٍ من ذرات روحك وجسدك.

قبل المغادرة … هل سألت نفسك يومًا: لماذا علينا أن نُبدِع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد