منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي المُبرم مع طهران عام 2015 زادت حدة التصريحات الأمريكية تجاه إيران؛ ففي تصريح سابق لمستشار الأمن القومي للرئيس «ترامب» حذر «جون بولتون» إيران من مغبة مهاجمة مصالح الولايات المتحدة، وحلفائها في المنطقة، وإن أي هجوم سيقابل برد صارم.

حصار إيران وتكرار سيناريو العراق

إن تصريحات «بولتون» المعروف بتعصبه تجاه الحركات والأنظمة التحررية التي ترفض الهيمنة الأمريكية هي استمرار لنهج الإدارات الأمريكية منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية قبل نحو 40 عامًا في تركيع إيران ومحاولة جعلها تقدم فروض الطاعة، ولكن هذه المرة جاءت مصاحبة لخطاب وخطوات عربية غير مسبوقة تدل على رؤية مشتركة لتحييد دور إيران في المنطقة.

ولكن في المقابل نجد أن إيران طوال العقود الماضية أثبتت قوتها وقدرتها على التكيف مع العقوبات والالتفاف عليها، غير أن المرحلة الحالية تبدو أنها الأكثر توترًا في تاريخ البلدين، وإن إرهاصات سيناريو غزو العراق تلوح بالأفق من جهة؛ ففي الأسابيع الماضية رأينا تصعيدًا أمريكيًّا عسكريًّا تمثل بإرسال مدمرات حربية، وإعادة انتشار الجنود الأمريكيين، ونشر منظومة الباتريوت، كما تم إرسال حاملات الطائرات وقاذفات B-52 إلى قاعدة العديد في قطر، وهي نفسها التي اُستخدِمت لقصف بغداد، والمدن العراقية.

ومن جهة أخرى فإننا نرى بأن العوامل التي أدت إلى نجاح احتلال العراق لا تتوافر بالنسبة لإيران؛ فالعراق الذي خرج من حرب مع إيران ذاتها ثم ما لبث أن دخل في حرب خليج ثانية أدت إلى استنزاف قواته البشرية، وإنهاك اقتصاده، وتدمير بنيته التحتية، كما أن الحصار الذي فرضته أمريكا على العراق مدة 12 عامًا، كوّن حالة من السخط الشعبي أدت إلى تولّد مشكلات داخلية، إضافة إلى أن الجبهة الداخلية العراقية كانت مخترقة من حزب الدعوة بزعامة «نوري المالكي» الذي عمل على زعزعة الأمن القومي العراقي، طوال عقد وأكثر من خلال هجمات دامية، كما أن أحد أبرز العوامل التي أسقطت العراق هي محيطه العربي الذي شكل قاعدة أمريكية كبيرة للطائرات، والجنود الأمريكان، كما تعهدت دول المحيط بتحمل تكاليف الحرب مهما بلغت، كل ما سبق ويضاف عليه تآمر قادة من الجيش، وصمت المرجعية الدينية على دخول القوات الأمريكية؛ جعلت العراق لقمة سهلة للتحالف الكوني، الذي ضم جيوش العالم.

أما إيران التي ومنذ البدء في تطوير مشروعها النووي بتخصيب اليورانيوم، عانت من العقوبات الاقتصادية، فقد أثبتت قوتها على كافة الأصعدة، كما أن الشعب الإيراني الذي راهنت الإدارات الأمريكية على خروجه إلى الميادين في ظل ظروف معيشية صعبة جراء العقوبات، بقي وفيًّا لثورة «الإمام الخامنئي»، وأيضًا فإن إيران لا تزال تتمتع بقدرات عسكرية واقتصادية، وتملك ثروات طبيعية، وإمكانيات ضخمة، أضف إلى ذلك أن لإيران ورقة ضغط رابحة؛ وهي أذرعها في المنطقة، قادرة على استهداف مواقع استراتيجية للقوات الأمريكية سواء كانت عسكرية أو مصالح اقتصادية، وتحديدًا مصافي النفط العربية، ومن جانب آخر فإن طهران كما نرى ستراهن على تجاوز أزمتها الاقتصادية بناءً على اضطراب علاقات الولايات المتحدة مع عدد من حلفائها، خاصة التوتر الاقتصادي المتصاعد مع الصين، والعلاقة المضطربة تاريخيًّا مع روسيا، والأزمة التي ستخلقها واشنطن في قادم الأيام مع تركيا في ظل إصرار الأخيرة على امتلاك منظومة الدفاع الروسية S-400، هذه الإضرابات سيضمن لإيران بناء تحالفات تضمن لها تخفيف أثر العقوبات الأمريكية، كما أن العلاقات المتينة لإيران ونفوذها القوي في سوريا والعراق سيكون عاملًا مهمًا في صراعها مع الحرب الاقتصادية المفروضة عليها.

تصدير صورة البُعبُع الإيراني والحَمَل الإسرائيلي

لقد أثار التحالف العربي مع واشنطن ضد إيران علامات تعجب كثيرة خاصة أنه جاء مرافقًا لخطة السلام الأمريكية المعروفة إعلاميًا بصفقة القرن؛ مما خلق حالة لدى الرأي العام العربي من توافق الرؤى والمصالح بالعهد الجديد، الذي يرسمه تحالف أبو ظبي-الرياض والذي يرى في إسرائيل حليفًا قويًّا يجب التمسك به، ولو على حساب المصالح الفلسطينية، وفي مصر أيضًا نرى أن النظام هناك يخطو جنبًا إلى جنب برفقة تحالف (فريق ب) كما أسماه «محمد جواد ظريف» والذي يشير إلى (بولتون، بومبيو، بن زايد، بن سلمان) في طريق تصدير صورة إسرائيل للشعوب العربية التي ترفض الاعتراف بإسرائيل، وتؤكد على تمسكها بحق عودة الأرض واللاجئين، على الجانب الآخر فإن ساسة تل أبيب ابتسموا حتى بدت نواجذهم، ونقتبس من تصريحات نتنياهو قوله: «الشعوب العربية هي العائق أمام توسيع السلام وليس قادتهم الذين نرى استعدادهم للتطبيع دون شروط مسبقة وكما قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: نريد سلامًا دافئًا مع إسرائيل».

فمنذ الإطاحة بالرئيس المصري «محمد مرسي» من قِبل الجيش، وبدعم سخي من دول عربية تكشَّف المشروع العربي الرامي لإجهاض أي ديمقراطية عربية. إن هذا المشروع لاقى دعمًا أمريكيًّا وترحيبيًا إسرائيليًّا فقد انبثق عنه تسارع وتيرة الاستيطان، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهضبة الجولان إسرائيلية، لقد مثلت إسرائيل منذ اليوم الأول لإعلانها خطرًا وعدوًا كبيرًا للشعوب العربية يهدد استقلالها ووجودها، لقد بنت الولايات المتحدة علاقاتها مع الدول العربية على أساس يضمن أمن وسلامة إسرائيل، كما مثلت إيران في السنوات الماضية الداعم الأول لفصائل المقاومة العربية في لبنان وغزة، كما أنها مثلت خطرًا وجوديًّا على إسرائيل التي سخّرت ثقلها الدبلوماسي والإعلامي من خلال لوبياتها في العواصم الغربية؛ لتقديم إيران مثل البُعبُع الذي يهدد البشرية، ومصالح الغرب، ووصفها بالنظام الفاشي الذي يتغذى على إراقة الدماء في المنطقة.

عدو الشعوب العربية الأول

لا شك أن إيران مثلت خنجرًا مسمومًا في ظهر العراق، وسببًا في جرحه الذي لم يلتئم، إلا أن المحيط العربي يتحمل الجانب الأكبر من مسئولية مأساة الشعب العراقي؛ فهو من أدخل القوات الأمريكية، وموّل الحملة الكونية التي أطاحت بأقوى دولة عربية، في طور ذلك فإن المصالح الأمريكية تتقاطع مع المصالح العربية التي ترى بإيران العدو الذي يجب الإطاحة به، بالرغم من الشكوك في جديته في ظل علاقات اقتصادية لا تزال قوية مع الإمارات، وبيانات ضعيفة مضمونًا صدرت عن قمم مكة، والتقارير التي قُدمت إلى مجلس الأمن لم تذكر فيها إيران باعتبارها عدوًا صريحًا أبدًا، من جانب آخر فإن السنوات الماضية أثبتت أن مَنْ يتحالفون مع واشنطن وتل أبيب في الحقيقة لا يريدون سلامًا مقابل منفعة للمنطقة العربية، وإنما يقدمون خدمة مجانية لساسة البيت الأبيض، فنرى أن هؤلاء هم من أسقطوا النظام العراقي، الذي كان يمثل سدًا عاليًا بوجه إيران والمصالح الغربية، كما أنهم أجهضوا كل محاولة لترسيخ الديمقراطية، وسخروا الثروات لإجهاض الثورات، بل ودعم كل عمل عسكري ضد الشعوب العربية، فقد صرح ظريف بأنه: «ليست إيران من يقصف اليمن ويدعم داعش بالسلاح الأمريكي».

إن ساسة تل أبيب سيبقى يراودهم الحلم، ويجتهدون على أرضية الميدان للدفع بحرب بين إيران والعرب لتخطو خطوة كبيرة نحو مشروعها الرامي إلى تفتيت المنطقة إلى دويلات تضمن سيادتها، وبقاء هيمنتها، وتثبيت وجودها، وإن أي خطوة لضرب اقتصاد إيران ونظامها سيعد مرحلة جديدة، ويرسم وجه المنطقة من جديد، ويعيد بناء تحالفات تزيد من هيمنة إسرائيل، إن محاولة تصدير إيران بصفتها العدو الأول للشعوب يصب في خطة السلام الأمريكية الرامية لتصفية القضية الفلسطينية، وإن محاولة تصدير إسرائيل باعتبارها حليفًا لا غنى عنه هو ضرب من الجنون؛ سيؤدي إلى جعل المنطقة تعيش أعوامًا عجافًا بالحروب، والأمراض، والفقر، والجهل في حين سنرى إسرائيل تكبر وتتمدد سعيًا لإحلال مشروعها «إسرائيل الكبرى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد