ما من أمة تتأثر بالتاريخ أكثر من العرب والمسلمين!

دائمًا ما يُقَدَم التاريخ على أنه أحد المشتركات الكبرى التي تصنع ثقافتنا العربية الإسلامية الواحدة، ولو نظرنا جيدًا لرأيناه كذلك بالفعل، فإننا نقرأ تأريخًا واحدًا، إلا أن هذا التاريخ فيه الكثير من الشوائب التي دُست ودُلس بها عبر الكثير من كتب كتّاب ورواة ومفكرين وعلماء!

وبناءً على هذا يجب علينا أولًا أن نوحد التاريخ الإسلامي؛ لكي نستفيد منه في بناء وتأسيس الأفكار التي وقعت ضحية لهذه المادة من الشوائب والتدليس، فأمسى العرب والمسلمون بين الفرقة والنزاعات والصراعات.

فوجب علينا أولًا إثبات الحقيقة لكي نستطيع أن نوحد الأمة ونستخرج من تأريخها كل هجين ودخيل، وعلينا أيضًا أن نقرأ التاريخ بوعي وواقعية، حيث نميز بين مضامينه الحقيقية التي نُقلت إلينا، فما دُس فيه، إما لأجل مصلحة أو تقرّب إلى حاكم ذلك الزمان أو لأجل أنانية بشرية أرادت أن تُظهر الطرف الآخر على باطل وهذا الطرف على حق، وبذلك تزداد نار الصراع والتفكك والانهيار المجتمعي الإسلامي، وبالتالي يكون العدو الحقيقي هو المستفيد الوحيد.

ووعينا بالتاريخ، على أنه جامع أو مفرّق، يعتمد على مدى إدراكنا، وعلى إثبات حقيقته، وما يتعلق بموقفنا منه، وبطريقة تحليلنا للأحداث ودراستنا للرواة والروايات والعبرة من خلاصتها.

ولكي نتمكن من صياغة التاريخ من جديد يجب علينا أن نستعين بالمفكرين والمحققين أصحاب الفكر المعتدل والوسطية والموضوعية، وخير مثال على هذا هو المرجع الصرخي الحسني الذي أدهش الجميع بطريقة دراسته للتاريخ ونظرته له، وذلك من خلال محاضراته في البحوث العقائدية التي يهدف بها إلى التوعية وقراءة التاريخ بموضوعية ومهنية بعيدًا عن التمذهب والتعنصر والتمييز. شاهد أيها القارئ واحكم.

الإسلام أولًا، ثم الانتماء القومي، بدون فقدان للقيم والموازين!

تكفير الدواعش التيميين للأيوبيين بحجة القبورية وتقريب الصوفية!

أيها التيميون الطائفيون نتعامل بواقعية تامة مع الوقائع ولا علاقة لنا بالتمذهب والطائفة!

ولكي أبين لكم مضامين تلك المحاضرات جميعًا علي أن أقدم لكم مقدمة موجزة لها 

بحث وقفات مع توحيد التيمية الجسمي الأسطوري

يدرس فيه المحقق الباحث الصرخي الحسني استحوذ التيّار الذي يتبنّى أفكار ابن تيمية، أو ما نُسِبَ إلى ابن تيمية، قدرًا كبيرًا من اهتمام المسلمين بطوائفهم المتعددة، لا سيما وأنه يتلبس بلباس العقائد الإسلامية، وادّعاء تشذيبها من الخرافات والخزعبلات والبدع التي يدّعي هذا التيار وجودها في كل طوائف المسلمين. وتميّز أتباعه بشدّة اللهجة تجاه خصومهم، وتطرّف الحكم على الآخرين ممن لا يؤمن بتوجهاتهم. وأخيرًا أصبح هذا التيار خميرة لكل حركة تكفير للمسلمين، وكل دعوة للقتل بدعوى الشرك والإلحاد والبدع، وغيرها من اتهامات نسمعها على ألسنة أناس لا نعرف عنهم سوى تمجيدهم لابن تيمية ولقلقتهم بألفاظ التوحيد والسنّة، وما يرافقها من مظاهر تستهوي السذّج وضعاف العقول، ومن يأخذ دينه عن غير بصيرة، ويحسن الظنّ في وقت السوء والفتن الذي نعيشه.

ويبدو واضحًا أنّ من أبسط ما يستهوي به أتباع هذه الحركات التكفيرية أتباعهم هو تمظهرهم بمظاهر السنة وتكرارهم لألفاظ ونصوص التوحيد، فالتوحيد في الإسلام هو الأصل الأول في العقيدة، وهو غاية إرسال الرسل، بل غاية خلق الإنسان. فالبسطاء من الناس تخدعهم الدعوات إلى تنقية توحيدهم مما علق به من شرك وإلحاد وبدع وغيرها من أوصاف تشينُه.

لكن الدعوة إلى التوحيد – ظاهرًا – إذا أفضت إلى التكفير ورفض الاستماع إلى رأي الغير ومحاربة العقل، والتفكير السويّ، ثم استباحة الأعراض والدماء الأموال، فلا بد أن يتوقف المسلم – مهما كان مستواه الذهني – ويتساءل عن غرض هؤلاء القوم الذين يدعوننا إلى قتل من يختلف عنا في الفكر والعقيدة والمنهج! ألا يخبروننا كيف تسافل توحيدهم من تعظيم لله سبحانه وتنزيهه إلى هذا الحضيض من التجرد عن الإنسانية واتّباع البهيمية والشيطنة؟ فلو أن الشيطان الرجيم عدو التوحيد أراد أن يحطّم الإيمان بالله سبحانه وتوحيده لما وجد أفضل منهم وسيلة وأعوانًا وخُدّامًا! فها هم يمزجون صيحات الله أكبر بقتلهم الأسرى بأبشع الطرق، ويخلطون كلمة الله بتهجير آلاف المسلمين وأهل الملل الأخرى، ويحطمون الإرث الحضاري و هم يرفعون راية لا إله إلا الله. فهل نتوقع أحدًا يؤمن بالإسلام ويرغب في التوحيد، وهو يرى أهل التوحيد يرتكبون أمثال هذه الجرائم؟

لكن المسلم بسيط التفكير والمعرفة سيقف متحيّرًا في هذه الدعوة المتطرفة – بسبب نتائجها التي لا يرتضيها العقل السليم – دون أن يستطيع معرفة الخلل فيها، ما دامت تدعوه إلى عبادة الواحد الأحد – سبحانه – ونبذ الشرك والبدع والخزعبلات، وهي دعاوى صالحة في ظاهرها. غير أنّ تفكيك ألغاز وتأريخ نشوء هذه الدعوة والتحولات التي مرت بها، وطريقة استقطابها عوامّ المسلمين، و تحولها زادًا للتقاتل الإسلامي– الإسلامي، وسلاحًا للتعدي على أهل الأديان والاعتقادات الأخرى لهو أمر يحتاج إلى مؤونة علمية متميزة وتفكير يعلو على تفكير واضع هذه الأفكار المتطرفة، بل ولا بد أن يعلو هذا التفكير على طريقة ومنهجية كل المفكرين والعلماء والمراجع السابقين والحاليين الذين تصدّوا لتحليل هذا التيار المتطرف وإيقاف نخره في جسد العقيدة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. ولو كانت المنهجيات وطرق النقاش السابقة ناجعة لما استمر هذا الفكر في الاستفحال، ولما بلغت فتنته في التفنن في القتل والإرهاب هذا المبلغ، ولما استمر في كسب الأتباع والتوسع.

أضف إلى ذلك أن شدة تغير الأحداث التي يعيشها العالم بأسره من تصارع في الأفكار والتوجهات والتسابق للهيمنة والسيادة، واستخدام أية أساليب متاحة للوصول إلى الأغراض دون وازع أخلاقي أو إنساني، تتطلب تفكيرًا مرنًا واطّلاعًا على ما يجري في الواقع اليومي للمسلمين، ومتابعةً للحركة السياسية المحلية والإقليمية والعالمية بكل تعقيداتها والربط بين الأحداث والتوجهات المختلفة للخروج باستقراء وفهم واضح لأسباب نشوء ونمو الدعوات الدينية المتطرفة وكيفية استخدامها ألعوبة بأيدي الأهواء السياسية.

وهذا البحث نتاج آخر لسماحة السيد الصرخي الحسني ـ دام ظله ـ في الذبّ عن أصول الدين الحنيف واستنقاذ المسلمين من القتن المتلاطمة التي حوّلت المجتمع الإسلامي إلى معسكرات قتل يعيث فيها أصحاب الأهواء أعداء التوحيد فسادًا. وانتهج سماحته في محاضرات هذا البحث طريقته المتميزة في تفكيك العبارات وتبيان الخلل والتناقض والخطأ في صياغتها نفسها وتطبيقاتها والاستدلالات التي تضمّنتها عند ابن تيمية ومن ماثله في المنهج والاستدلال. وفي ثنايا البحث يجد المسلم بوضوح آيات القرآن الحكيم والسنة الشريفة تنهاه عن دعوات التوحيد الزيف الكاذب وتدعوه إلى الرجوع إلى معين التوحيد القرآني الذي أوضحته السنة الشريفة وأقوال وأفعال أئمة المسلمين من أهل البيت عليهم السلام، ونُقول الصحابة الكرام و التابعين والعلماء الربانيين. فتستبين للمسلم طريق عبادة الإله الواحد والدعوة الحسنى إلى التوحيد الخالص من أهواء المتقولين وتدليسات المبطلين وتسويلات الشياطين:

_______________________________

فسوف ترى أيها القارئ بوضوح كل المفارقات التي نُقلت عن طريق الرواة الذين اتخذهم المسلمون على أنهم شخوص مقدسة لا يمكن لها أن تخطئ أو تدلّس أو تحرّف في موضع من مواضع التاريخ الإسلامي، وهذه هي مشكلتنا نحن المسلمين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد