«نحن لسنا بحاجة فقط إلى صادرات أكثر، وإلى عدد أكبر من دور المسنين، بل إلى مزيد من دور الترويح في الهواء الطلق، وإلى شوارع أكثر إضاءة وبهجة في الليل، وإلى المزيد من أصحاب الفنادق والمطاعم الذين يحسنون وفادة روادهم، وإلى عدد أكبر في المقاهي المقامة على شواطئ الأنهار، وإلى أكثر وأكثر من بساتين وحدائق المتعة، والمزيد من الجداريات واللوحات والرسوم في الميادين العامة، وإلى تصميمات أجمل للأثاث وللأواني ولملابس النساء، وإلى أكشاك هواتف جميلة تسر الناظرين وإلى… وإلى ما لا نهاية».

هل ذلك يعني أننا لا نريد أن ندخل عصر الوفرة فقط من أجل نجد أنفسنا عاطلين من القيم التي تعلمنا كيف نستمتع بهذه الوفرة. إذن هنا ترتفع مستويات المعيشة سريعًا، ويتضاءل باطراد الخوف من البطالة، وتراود الآمال شباب العمال من أجل مستقبل لم يدر بخلد آبائهم.

ولكن ما يزال هناك شوط طويل، يتعين أن نقطعه على الطريق من أجل مزيد من العدالة، وقدر أقل من الفوارق الطبقية، وقدر أقل أيضًا من «العوز الاجتماعي الحتمي». وما تزال الدعوة قائمة من أجل المزيد من إعادة التوزيع الاقتصادي للثروة، لكن النقطة الأساسية في سياسات المستقبل، كما يؤكد بعضهم، يتعين أن تهدف إلى خفض التفاوتات والنزاعات الاجتماعية. إن «السخط الاجتماعي» يتولد أساسًا من حالة يعجز فيها الناس عن أن يجدوا لأنفسهم في المجتمع مكانًا يتناسب مع مواهبهم – بينما من يشغلون مواقع الثروة والسلطة قادرون على ضمان أبدية امتيازاتهم عبر الأجيال– فالفرص المتساوية غير كافية. وإن تحقيق قدر أكبر من المساواة الاجتماعية يعني نظامًا اجتماعيًّا يرتكز على قدر أكبر من المساواة، ويعني خفضًا للثروات الموروثة. والمضي قدمًا نحو المزيد من إعادة تنظيم الصناعة.

وفي ظل الأوضاع العربية الراهنة، هناك من يرى أنه من الأجدى البحث عن آليات جديدة لإيجاد خطة/ مشروع «مارشال» عربي جديد محاولة لوضع الخطوط العريضة للتصور السياسي لذلك المشروع – في مجال تحديد خطوات الإصلاح السياسي، والاقتصادي، والتربوي في الشرق الأوسط – لا سيما البلدان العربية التي تعاني من تفسخ الدولة، والحرب الداخلية، لمواجهة تحديات تفتيت بنية الدولة الحديثة، غير أن تلك الخطوات قد تعكس نوعًا من «طبائع الاستبداد»، وهي ليست سوى «بحث في الماهيات والجذور والطبائع أكثر منها بحثًا في الأوضاع السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وبحث فلسفي وليس بحثًا اجتماعيًّا».

وفي هذا السياق، نجد أنّ الدولة والمجتمع، كما لاحظهما وتصوّرهما الكواكبي في واقعه الشخصي وتاريخ أمته، كانا واقعين تحت منظومة من القيم يرى أنّ الملك هو من استرعاه الله أمر عباده، وقلّده أمورهم، والنتيجة من ذلك هي حالة «النكوص في مجال القيم، وهيمنة القيم الكسروية، قيم الطاعة وتوظيف الدين لغرضها»، وإحلال «أساطير الأوّلين» محل العقل العملي، عقل الروية والخبرة والاعتبار، في تأسيس «السعادة وتعيين شروط تحصيلها في الدنيا قبل الأخرى»، إنّها القيم التي استلهمها كتاب «الآداب السلطانية» من الموروث القيمي والثقافي الفارسي عند تداخله مع الموروث العربي والإسلامي، قيم الطاعة العمياء، وقيم المماثلة بين الحاكم والإله.

في السياق نفسه؛ سياق البحث في أسباب تفشي الاستبداد الديني، وعلاقته بالاستبداد السياسي، ينهل الكواكبي في دراسته من التجربة التاريخية لهذه العلاقة في أوروبا، ثم يربط ذلك بواقعة. وقد اتخذ في سبيل ذلك طريقةً متدرجةً في التقصي التاريخي مستدلًا بأنّ «كل المدققين السياسيين يرون أن السياسة والدين يمشيان متكافئين، ويعتبرون أن إصلاح الدين أسهل مثالًا، وأقوى وأقرب طريقًا للإصلاح السياسي». كما أنّهم يحكمون بأنّ بين الاستبدادين السياسي والديني مقارنة لا تنفك، متى وجد أحدهما في أمة جرّ الآخر إليه، أو متى زال زال رفيقه، وإن ضعُف أو صَلُحَ أحدهما صلح الثاني.

وهكذا يذهب هذا التقصي التاريخي الذي يعتمده الكواكبي إلى بحث هذه المسألة في الديانة اليهودية والديانة المسيحية على السواء، لكن دون البحث في إشكالية قيام الدولة في إطارهما. وإن كانت عودته إلى التاريخ واستدعاؤه يعطيان موضوع بحثه قيمة «معرفية» مهمة، يعتقد بعض الباحثين أنّه كثيرًا «ما شط عن الموضوع، فبدل أن يتابع البحث في الإشكالية الأساسية التي يبدأ منها، وبدلًا منها أن يظهر ترابط الحقبة الزمانية بحقبة زمانية أخرى مع مراعاة تولد التفكير التابع لتلك الفترة، سرعان ما ينتقل إلى نتائج دينية ليست مترابطة بالضرورة مع السياق الذي أتت فيه». ذلك ما وقع فيه خصوصًا عندما تطرّق إلى الاستبداد الديني في علاقته بالديانة المسيحية وفي علاقته بالديانة اليهودية.

ومن هنا، يُمكن أن نشير إلى أثر «التراث الاسلامي» في إطار «التصور السياسي» الراهن أو المأمول لمشروع «مارشال» عربي، الذي ساهم في توظيف التاريخ والتراث في الجدال والإقناع بأسلوب مشحون بالحمية، إنها كتابة في السياسة بالسياسة.

فكثيرًا ما تُثار إشكاليّة لا تفتأ تتردد على الألسنة تتمثل في كون من أبدع في التراث الإسلامي كانوا غير عربٍ، فربّ إشكاليّة كانت أيديولوجيا الآن لنلقي بها على كتف ماضٍ رمزي ثقافي. إن هذه الإشكالية، برأيي، تنبع من فهم مشْكل اللغة بحدّ ذاته، فإنّ غالب التصوّرات حول اللغة تفسر اللغة بكونها «أداة توصيل وتواصل» دون إدراك الأداة الوجوديّة التي تمثلها اللغة، والتي تقع منها بوصفها تصوّرًا وأساسًا في العلاقة مع العالم.

ليست الإشكالية في زخف الانتماء: عربي أو غير عربي، وليس في هويّات منفتحة بلا معناها. إنّ الإشكاليّة تتعلق بالأساس بكون الخروج من لغة إلى لغة هو خروج كينونة من انتماء تصوّر عن العالم إلى انتماء جديد يتمثّل في اللغة الجديدة المخروج إليها. اللغة ليست أداة لشيء، إنما هي حزمة من التصورات المشبعة بميتافيزيقا شعب أو قوم أو ملّة، بحيث يكون الدخول في أفق هذه اللغة، هو ارتماء عنيف في حضن تصورات هذه اللغة عن العالم والوجود والإنسان. اللغة ليست مشكلة لغويّة أبدًا، لا بدّ من التأكيد على ذلك الأمر، ولا بد أن نخرج من تصور اللغة كوسيلة ما ترسّخت في مخيالنا الكلاسيكي كجملة من القواعد يتكلّم بها أحدهم متى تعلّم هذه القواعد. اللغة هي بيت الكينونة، أو لا تكون.

بذلك، فالذين أبدعوا في التراث الإسلامي هم ليسوا عربًا كانتماء هشّ لحدود محليّة حول مساحة جغرافية ممتدة تسمّى العرب، لكنّه عربيّ وجوديًّا، ونظريًّا، وتصوريًّا، فإن دخوله في اللغة العربيّة بما هي شرط إنتاج الحقيقة ضمن آفاقها الرمزيّة هو توقيع مسبق بعربيّته الميتافيزيقية التي انتمى إليها منذ أن وعى ثقافيًّا.
لا يعني ذلك أنني أدافع عن إسلام عربي أو وضع شروط «عربية» لتحقيق الإسلام، فالإسلام هو الواقعة الروحية الكبرى في تاريخ الإنسانية ما بعد القاصرة، وهو الذي كسّر هشاشة الانتماء، وكان عقْد الإسلام بين الإله وبين الإنسان بما هو كذلك، وليس بين الإله وشعب «مختار» أو أرض «مقدسّة» ما.

للتأمل

مع لمعان الليل تنحدر الأرض بالضوء الذي تستعيره؛ دائمًا تغمرها الكآبة وهي تبحث عن أشعة الشمس.

*الفيلسوف اليوناني بارمنيدس: الشذرتين ب 14-15، من كتاب «أسطورة الإطار» في دفاع عن العلم والعقلانية.

ممر إلى الهند

إيه أيتها الروح، ألم تدركي غاية الرب منذ البداية

أن تنبسط الأرض وتتصل بشبكة الخطوط

أن تقترن الشعوب وأهل الجوار بعضهم ببعض، وأن يهبوا أنفسهم للزواج

أن يجري عبور البحار، وتقريب البعيد

أن تتحد البلاد معًا.

*والت ويتمان من ديوانه الشهير «أوراق العشب» الصادر عام 1855.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب ”اسطورة الإطار” في دفاع عن العلم والعقلانية، تأليف: كارل بوبر، ترجمة: يمنى الخولي، العدد (292) ، أبريل ، 2003 ، عالم المعرفة ، الكويت ، هوامش المؤلف ص: 261.
عرض التعليقات
تحميل المزيد