في معمعة الأحداث الحاصلة في الولايات المتحدة الأمريكية، خرج الرئيس دونالد ترامب ماشيًا إلى الكنيسة المقابلة للبيت الأبيض حاملًا في يده الإنجيل، في إشارة رمزية يغازل بها شعبه تحمل أبعادًا متعددة الجوانب.

ما يهمني في هذا المقال ليس دلالات هذا التصرف الموجهة للشعب الأمريكي، بل عدم منطقية الاستغراب الذي لفّ ذهن عدد من المتابعين لتطورات الأحداث، الذين يرون أمريكا الجزيرة المثلى للنموذج العلماني الصرف كما تصوره عقولهم الأفلاطونية، ذاك التصرف – وغيره كثير – يدرك كل من اطلع قليلًا على مركزية الدين البروتستانتي في النظام الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا، إنه تصرف طبيعيّ مبنيّ على عقيدة مسؤولة وقناعة خالصة، ليست بهرجة انتخابية، ولا فعلًا عبثيًّا.

أمريكا – لمن لا يعرفها – كانت فور اكتشافها سنة 1492 ملجأ اليهود والمسيحيين البروتستانت هربًا من بطش محاكم التفتيش الكاثوليكية، فعلى أرضها رسموا أحلامهم الدينية، وبَنَوا نظامهم على أساس التمسك التام بالأسفار والتعاليم، ولم يكن دونالد ترامب بِدْعا من كل الرؤساء السابقين له أبدًا.

ففي أمريكا يعبر الرئيس دونالد ريغان عن أهمية الكتاب المقدس في حياته قائلًا: «بين دفّتي هذا الكتاب الوحيد توجد جميع الإجابات على جميع المشاكل التي تواجهنا اليوم»، ويحدث عنه جايمس ميلز – رئيس مجلس الشيوخ في ولاية كاليفورنيا سنوات الثمانينات – بأن سياساته الداخلية والمالية منسجمة مع التفسيرات التوراتية – الانجيلية، بل يحكي القس مايك إيفنز أنه «في 1985 دعى الرئيس ريغان القساوسة جيمس بيكرن جيمي سواغارت، جيري فولويل، ودعاني معهم للقائه بصورة شخصية، وقد أعرب الرئيس عن إيمانه بأن أمريكا على عتبة يقظة روحية، وقال: إنني مؤمن بذلك من كل قلبي، إن الله يرعى أناسًا مثلي ومثلكم في صلاة نبتهل إليه فيها إعداد العالم لعودة المسيح ملك الملوك وسيد الأسياد».

وفي أمريكا يفتخر الرئيس جيمي كارتر في يومياته بالبيت الأبيض أنّ آخر ما يقوم به كل يوم رفقة زوجته هو قراءة فصل من الكتاب المقدس، وأنّ العائلة تصلي قبل كل وجبات الطعام، وأن المشاركة في القدّاس الأسبوعي أمر ضروري حيثما كان مكان التواجد، بل أكثر من ذلك يصرّح أنه يدرّس فصولًا من الإنجيل مستمتعا لطلاب مدرسة الأحد.

في أمريكا يذكر الرئيس جورج بوش الابن في حملته الانتخابية أنّ يومه يبدأ بقراءة الكتاب المقدس، وأنّ أحد كتبه المفضلة التي يقرؤها في البيت الأبيض يوميا كتاب للقسيس أوزوالد شامبرز، الذي مات في مصر سنة 1917 وهو يعظ الجنود البريطانيين والأستراليين هناك بالزحف على القدس، وانتزاعها من المسلمين، وأن الرجل الذي أثّر في حياته هو القسيس بيلي غراهام؛ حيث يقول بوش: «إنه الرجل الذي قادني إلى الرب».

في أمريكا رفع مرشحون للرئاسة ولعضوية الكونغرس شعارات ومبادئ ترتكز على دور الدين في السياسات العامة وترشح لمنصب الرئيس قساوسة واحتلت مسألة الدين الصدارة في مناقشات الحملة الانتخابية، وصارت البرامج الدينية لنجوم «الكنائس الإلكترونية» تشد المشاهد أكثر مما تشدهم البرامج الرياضية والفنية.

ومن الطبيعي أن يكون لهذه العلاقة الراسخة ظلال في الحياة السياسية والمناهج الاقتصادية والتحالفات، بل حدوث النزاعات.

فهل هناك من المنبهرين بقشور العلمانية الأمريكية من يصدّق أن سبب كون ليبيا أصبحت العدو رقم واحد لأمريكا في فترة الرئيس ريغان هو ما نقله بالحرف قس أمريكي قال نقلا عن كلام الرئيس في الفصل 38 من إصحاح حزقيال هناك نص يقول: «إن أرض إسرائيل سوف تتعرض إلى هجوم تشنه عليها جيوش تابعة إلى دول لا تؤمن بالله وتقول إن ليبيا من بينهم»، فكان هذا النص المحرّف سببًا في أزمة سياسية ليس لها سبب ماديّ واقعيّ.

ونُقل عن ميلز – السابق ذكره – أنّ استعمال ريغان سنة 1983 عبارة «إمبراطورية الشيطان» لوصف الاتحاد السوفيتي لم يكن نداءً محسوبًا وبليغًا موجّها إلى الأصوليين الدينيين والسياسيين وحسب، ولكنه كان إعلانًا انطلق من الإيمان الذي أعرب عنه لي.

وهذا الدافع الديني المستميت هو ما يفسر التمسك اللامنطقي الأمريكي بالكيان الصهيوني، بالرغم من جرائمه وإضراره بالصورة الأمريكية التي تحاول تسويقها والتعب المضني من أجل تبييضها، بل يضر حتى بالمصالح الأمريكية ويكبّد الخزينة الأمريكية آلاف المليارات من الدولارات، وهو محورُ فهمٍ مهمٍ سنتطرق له في مقال قريبًا إن شاء الله.

هذا ما أردنا إيصاله عبر هذه الكلمات الموجهة بدقة إلى فكرة مفادها أن العلمانية في الغرب فكرةُ وهمٍ غير مطبقة، بل ساهموا في ابتداعها ونقلها للعالم الإسلامي حتى ينسلخ من فكره وحضارته ويقطعوا صلته بثقافته المتكاملة ويحوّلوه إنسانا خاويا صالحا للقولبة والتشكيل كما يستهوون، ولمزيد من الاطلاع على فكرة هذا المقال نقترح هذه العناوين المهمة المتوفرة في الشبكة العنكبوتية:

* الدين في السياسة الأمريكية: فرانك لامبرت

* الدين والسياسة في الولايات المتحدة: مايكل كوربت وجوليا ميتشل كوربت

* الدين في القرار الأمريكي: محمد السماك

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد