سرد أمثلة من الواقع

يقول الاقتصادي الألماني الراحل «هورست سيبرت» إن الحلول المقدمة أحيانًا لحل مشكله ما، قد تزيد من تعقيد المشكلة، نتيجة للعواقب غير المقصودة للأفكار الجديدة، وهو ما أطلق عليه مطلح «تأثير الكوبرا»، ويعود هذا المصطلح إلى فتره الاستعمار البريطاني للهند، حين قامت الحكومة بوضع خطه لمحاولة السيطرة على الأعداد الهائلة للكوبرا السامة، وذلك بتقديم مكافأة لكل من يأتي بكوبرا ميته للجهات المعنية.

ظهرت هذه السياسة ناجحة في بداية الأمر، رغم تخوف السلطات البريطانية بعدم تجاوب الهندوس بسبب تمجيدهم لأفعى الكوبرا، الذي تقام له صلاة عند اكتمال القمر للشهر الأخير من كل سنة يسمى بـ: «ناغ بانشامي».

نجحت هذه السياسة في تقليل عدد اللدغات السامة، كما نجحت في تقليص عدد الثعابين المتجولة في العاصمة دلهي. لكن في نفس الوقت لوحظ تزايد عدد الثعابين المقدمة من أجل المكافأة، ولا أحد يعرف السبب! وبعد التحقيق في الأمر وجدوا أن الهندوس يمتهنون حرفة تربية أعداد كبيرة من أفاعي الكوبرا في أماكن مخصصة من أجل الحصول على المكافئة، فقررت الحكومة البريطانية إلغاء العمل بالمكافئة، وفي نفس الوقت قام الهنود بإطلاق سراح كل الأفاعي، ورجع الوضع أسوأ مما كان عليه من قبل، وهو ما أطلق عليه مطلح «تأثير الكوبرا».

تعتمد رؤيتنا للظواهر والمشاكل على كمية النتائج والآثار التي أفرزتها، وهذا طبعًا سيقودنا إلى البحث عن الأسباب، وبشكل منطقي عند معرفة السبب تسهل عملية المعالجة، ولكن معالجه الأمور بالقضاء على المسببات بشكل مباشر دون قراءة للعواقب، قد يقودنا إلى ما يسمى بتأثير الكوبرا.

بالرجوع إلى الواقع الجزائري هناك الكثير من الأمثلة على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، كان لها تأثير الكوبرا، ونحن بصدد عرض جزء يسير منها.

1- إسقاط تأثير الكوبرا على حالة الكحوليات في الجزائر

رغم اتساع شعبيه الخمور في الجزائر، إلا أن المجتمع لا يزال يرفض هذه الظاهرة ليس بسبب موقف الدين منها فحسب، بل لآثارها الاجتماعية والأمنية والتربوية.

تعتبر الجزائر ثاني أكبر منتج للخمور في أفريقيا، وخامس أكبر مصدر لها، ومن الطبيعي أن يكون هناك جزء كبير يوجه للاستهلاك المحلي.

الرفض الواضح للمجتمع لوجود محلات بيع الخمور زاد من اتساع السوق غير القانونية لها، الأمر الذي يعزز من أرباح التجار غير القانونين، ومن الطبيعي زياده الأرباح اقتصاديًّا تعني توسع النشاط الذي قد يتعدى إلى مجالات أخرى مثل المخدرات والسلاح والدعارة، وبالتالي زياده عدد الجرائم والمدمنين وهو ما تعكسه الحقائق في السنوات الأخيرة من اختطاف وقتل واغتصاب.

نحن لا ندافع عن بيع الخمور في حد ذاتها، ولكن وجودها في إطار قانوني ومراقب وفي أماكن محدده بعيده عن التجمعات السكانية يساهم في تعزيز السيطرة على سوق الخمور ومراقبه زبائنها، والسن القانوني للشرب، فضلًا عن الامتياز المالي والأمني للحكومة.

الجزائريون يستهلكون أكثر من 400 مليون لتر سنويًّا، حسب تقارير منظمه الصحة العالمية، وهذا الرقم يكشف مدى قوة سوق الكحوليات في الجزائر، والجزء الأكبر منها يروج في السوق السوداء التي تعتبر المكان الأنسب لتطور باقي الآفات الاجتماعية الأخرى على اعتبار أن الخمر أم الخبائث.

2- إسقاط تأثير الكوبرا على الوضع السياسي في الجزائر (ظهور التعدديه)

تعتبر أحداث أكتوبر 1988 مفصلًا تاريخيًّا ونقطه تحول في تاريخ الجزائر، لما خلفته من آثار سياسيه وأمنيه شديدة الخطورة، وبغض النظر عن افتعال أو عفويه تلك الأحداث، إلا أنه يجب الوقوف عند مسبباتها ونتائجها.

شهد الوضع تأزمًا اقتصاديًّا نتيجة انهيار أسعار النفط سنه 1986 وإفلاس الشركات والمؤسسات الوطنية، وتأزمًا سياسيًّا بسبب سيطرة مجموعة معينة على الحكم في ظل الحزب الواحد الذي كان يظم مجموعه من التيارات، وهذا التأزم والغليان بلغ ذروته بأحداث الخامس من أكتوبر 1988.

الإصلاحات التي قدمها دستور 1989 كانت تلبية مباشرة لمتطلبات الفترة دون قراءة للعواقب التي قد تنجم عنها، فكان من المفروض أن تنقل الجزائر من مرحلة الانغلاق إلى الانفتاح السياسي والاقتصادي، لكن الآثار كانت عكس ذلك تمامًا، حيث إن التعديلات، أنتجت أحزابًا لكنها لم تفرز تعددية حقيقية، كما تم التخلص من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر لكن بأزمه اقتصادية خانقة هي الأسوأ في تاريخ الجزائر المستقلة، في حين تحول الضغط الاجتماعي إلى غليان وهي النتائج التي أدخلت الجزائر في العشرية السوداء.

تعتبر القرارات السيئة للإصلاحات في دستور 1989 على إثر أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988 هي التي قادت الجزائر إلى أسوأ أزماتها الاقتصادية والأمنية والسياسية على الإطلاق، نتيجة لأثر الكوبرا للإصلاحات.

3- إسقاط أثر الكوبرا على الوضع الأمني والجماعات الإرهابية

لا أحد ينكر دور الجيش الجزائري في مواجهة الجماعات الإرهابية المسلحة، حيث عملت الجهات الأمنية على تفكيك تلك الجماعات والعمل على القضاء عليها، ونجحت المخابرات في خلق انشقاقات في تلك الجماعات الإرهابية المسلحة أملًا في إضعاف قوتها وتأثيرها، كما نجحت في التخلص من بعض قياداتها نتيجة تصفية الجماعات لبعضها، الا أن ذلك الاختراق أوجد أكثر من تيار وأكثر من جماعة إرهابية بمسميات مختلفة، كانت تسعى كلها لإثبات وجودها وقوتها بتنفيذ جرائم ومجازر أكثر وحشية من قبل.

ظهر تأثير الكوبرا سريعًا ومكلفًا، والناتج عن محاولة القضاء على المسببات دون قراءة جيده للنتائج الممكنة، وفي عرضنا لهذه الأمثلة، نحن لا نتكلم عن الحلول الترقيعية أو أنصاف الحلول التي هي في الأصل عملية تشبه مسكنات الألم المؤقت، ولكن نتكلم عن الحلول التي كان الهدف منها فعلًا إيجاد حل نهائي وجذري للمشاكل والظواهر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد