تأثير المظاهرات على شرعية خامنئي كمرشد أعلى

على الرغم من سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى منذ أكثر من ستة أسابيع وحتى هذه اللحظة ما زالت الاحتجاجات العراقية، أو كما يحب أنصارها تسميتها بـ«ثورة 25 أكتوبر» مستمرة في أكبر تحدٍ للنظام السياسي الحاكم في بغداد منذ اجتياح وسيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على أجزاء كبيرة من البلاد، حيث إن المظاهرات الحالية تعد أكبر أزمة تواجهها النخبة السياسية وحلفاؤها منذ سقوط نظام صدام حسين سنة 2003؛ كونها اندلعت في العاصمة بغداد، ومناطق نفوذهم وقوتهم في المدن الجنوبية.

مطالب دستورية يعكف الفاسدون عن تحقيقها

منها تعديل الدستور وقانون الانتخابات ومفوضيتها ومحاسبة الفاسدين من أهم المطالب التي يسعى المحتجون إلى تحقيقها، غير أن الأحزاب السياسية تبدو غير جادة في تحقيق مطالب المتظاهرين الشرعية التي من شأنها إضعاف هيمنتهم، وإبراز كتل سياسية جديدة شابة.
أحد الناشطين في مظاهرات ساحة التحرير وسط بغداد، رفض الكشف عن اسمه خشية من الاعتقال: «إننا لا نرغب في إقالة رئيس الوزراء فقط، بل محاسبته ومحاكمته على قتل مئات المحتجين جراء استخدام الرصاص الحي واختطاف وتهديد عشرات الناشطين بمدن مختلفة، بصفته القائد العام للقوات المسلحة هو المسؤول الأول عن كل الانتهاكات ضد الإنسانية والحريات».
إطاحة رئيس الوزراء أو تقديم استقالته ستصعد من مطالب الجماهير بمحاسبة كل السلطة والأحزاب التي اشتركت في الفساد منذ 16 سنة وحتى اليوم الحالي، وفي حال تحقيق هذه المطالب فإن هذا يعني محاكمة نوري المالكي بصفته رئيس وزراء البلد والقائد العام للقوات المسلحة أثناء سقوط مدن عدة تحت سيطرة (داعش)، وكذلك فتح ملفات الفساد، المغيبين، والمختطفين، وكذلك النازحين، والسجون السرية، وبالتأكيد المسؤول عنها رؤساء أحزاب وميليشيات مدعومة من الجارة إيران، حسب معلومات أمنية وصحافية.

لقد حاولت طهران بناء نفوذها في العراق لأكثر من عقد من الزمان، في محاولة لتحويله إلى دولة تابعة لها؛ مما أثار استياءً ملحوظًا بين الكثير من العراقيين. في منطقة لا يوجد فيها سوى القليل من علامات الأمل، فإن هذه الانتفاضة الشعبية ضد الفساد السياسي والاقتصادي، مع الغضب تجاه إيران، تمثل تحديًا خطيرًا لنفوذهم.

المظاهرات العراقية حركة شعبية لا تهدد قبضة إيران على حليف إقليمي مهم فحسب، بل تهدد إيران أيضًا. ولدى الولايات المتحدة مصلحة قوية في مساعدة العراق لمواجهة وتحييد طموحات إيران في المنطقة. النظام الإيراني على دراية بإمكانية أن تؤدي المظاهرات في العراق إلى إلهام انتفاضة شعبية مماثلة في بلدهم، لهذا السبب نصح مسؤولو الأمن الإيرانيون نظراءهم العراقيين باستعمال القوة مع المحتجين. مع ورود تسريبات صحافية تشير إلى تورط الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران في قتل المتظاهرين.

فقد الخامنئي ولايته كمُرشد أعلى في العراق شعبيًا

الطبقة السياسية المتمسكة بالسلطة هي المسؤولة عن قمع وقتل المتظاهرين، وهي مجموعة أحزاب تملك ميليشيات أغلبها ممولة من إيران وموالية للمُرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، وطوال الـ16 عامًا الماضية نهبت ثروة الشعب. وهذا ما عبر عنه المحتجون في المدن الجنوبية عبر حرق الأعلام الإيرانية، ورفع شعارات منددة بخامنئي وتدخل بلاده في الشأن العراقي.

التشكيك بولاية وسلطة المُرشد الأعلى الخامنئي على أتباعه في العراق كانت وما زالت محل شك ونقاش بين الطبقة الدينية، وكذلك الشعبية الشيعية في المحافظات الجنوبية. حيث سبق وأن أفتى المرجع الديني الراحل محمد الصدر أن ولاية آية الله علي خامنئي فقط على المنطقة التي يحكمها، وهي إيران، وليس له أي شرعية على عامة الناس في العراق، أو بقية الدول التي يتواجد فيها أبناء الطائفة الشيعية.

شكك أحد طلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف (باتصال هاتفي) بالشرعية التي استند إليها خامنئي في تدخله بالشأن العراقي واتهامه للمتظاهرين عبر خطيب صلاة الجمعة في طهران آية الله محمد كرماني بأنهم جماعات منحرفة وتابعة لبريطانيا وأمريكا.


وتساءل طالب الحوزة العلمية – الذي فضل عدم الكشف عن اسمه – حول الكيفية والشرعية التي تسلم بها خامنئي منصب المرشد الأعلى، علمًا أن الخامنئي كان يأخذ درس «الانسداد» عند آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، وقظ كان أستاذه إلى فترة قريبة من وفاته، فكيف يتسلم هذا المنصب وأستاذه أعلم منه! والمفضول لا يتقدم على الفاضل. علمًا أن الشاهرودي كان الأعلم في الفقه والأصول والسياسة والاقتصاد وفقه السياسة والاجتماع، وينبغي أن يكون منصب المُرشد الأعلى يُعطى لمن له هذه المؤهلات. علاوة على وجود كاظم الحائري، إلا أن الأخير قَبِلَ أن يكون تابعًا! الخامنئي كمُرشد للثورة الإسلامية في إيران تم انتخابه من مجلس الخُبراء، وبالتالي غمنصبه خاص بإيران، ولا يتعداهُ إلى العراق. فللعراق حوزته، وهذا المجلس غير معترف به بين مجتهدي النجف، وغير معمول بآلياته بينهم، فلا يكون حجة عليهم، بل إن الحجة على «الخامنئي» بسبب قدم وعراقة حوزة النجف الأشرف.

تصريحات خامنئي أو أتباعه في إيران أو العراق بخصوص مظاهرات المطالبين بالحقوق ستكثر محاجمه دمًا من أبناء العراق؛ لأن فيها إطاحة كبيرة بدماء بريئة. لا بل إن الاحتجاجات العراقية من الممكن أن تمتد إلى إيران في أي لحظة، وستعاني السلطة الإيرانية ومرشدها بسبب سياسة القمع التي تمارسها السلطة ضد الشعب الإيراني من تقييد للحريات، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المزري. وبالتالي سوف تكون سببًا آخر يضاف لضعف سلطة وولاية خامنئي في العراق وغيره من البلدان. وهذه جميعها تعد من أهم الأهدف التي حققتها «ثورة 25 أكتوبر» حتى الأن على الرغم من كونها لم تصل بعد الى مرحلة يمكن من خلالها تسميتها بـ«ثورة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد