بين الحين والآخر، يخرج علينا لواء ممن أطاحت بهم ثورة الخامس والعشرين من يناير، على إحدى القنوات التي تفني يومها في تنويم عقول الناس ببروباجندا الأمن والمؤامرات، فيتحدث وكأن جهازه المنحل، ووزارته المليئة بالفساد؛ هما العنصر الهام والأوحد في حماية الأمن القومي المصري من مخططات الغرب والإرهاب وإسرائيل وتركيا وقطر وغيرهم ممن يتربصون بالبلد على حد قوله. ونجد أن عبارات مثل “شأن أمن قومي”، “أمور سرية تتعلق بالأمن الوطني” “لا نستطيع المس بالأمن الوطني”، يتم إطلاقها في وسط الكلام لإضفاء نوع من المصداقية، والقوة والسلطوية – بل الأمان أيضا – على كلامه، حين يسأل سيادته عن أي شيء متعلق بالرقابة على هذه الأجهزة الأمنية التي تحمينا. و يتجاهل البعض الآخر، في قنوات أخرى، الرد على أسئلة متعلقة بالأموال التي تنفق على هذه المؤسسات في مقابل آل “ملاليم” التي تنفق على الصحة والتعليم والبحث العلمي، أو يكون الرد أن الأمن القومي المصري يتطلب كل قرش وجنيه، فأصبح هنا الإنفاق على هذه الأجهزة ببذخ، هو في حد ذاته حماية لأمن مصر القومي طبقًا لهذه الرؤية الملتوية!

أليس صحة مواطني مصر من شؤون الأمن القومي؟ أليس التعليم و مستوى وعي الفرد من شؤون الأمن الوطني أيضا يا سيادة اللواء؟ لا أنكر بالتأكيد فضل الأجهزة الأمنية التي يستشهد بها أبناؤنا من رجال الشرطة والجيش يوميًّا في محاولة لحمايتنا من مخاطر الإرهاب الآثم، ولكنه أيضًا من الإثم أن نقتصر أمن وطننا على هذا النوع من الأمن، أمن السلاح والمواجهة على الجبهة. طالما تعليم الدولة يفشل في إثراء الطفل، علميا و دينيا ووطنيا، سنظل في دوامة الصراع الأمني المسلح طويلا، فمازالت دولتنا ذات الـ ٧٠٠٠ سنة حضارة لم تتيقظ إلى حقيقة أن أعداءنا يسلحون نفسهم بالعلم، و يحمون أمنهم القومي بالبحث والمعرفة، وهذا ليس كناية أو تشبيهًا، هذا ما يحدث حرفيا في أقرب عدو لمصر .. إسرائيل.

مرت أكثر من ٣٥ سنة منذ صراع أكتوبر ٧٣، ولكنها مرت على كلينا بطرق مختلفة. ٣٥ سنة هو بمثابة عمر جيل كامل، وهو وقت كافٍ للغاية لإحداث العديد من التغيرات على كثير من الأصعدة. فبينما كان نظام السادات قد شرع في تغيير ساحة مصر الاقتصادية عن طريق الانفتاح (وهو شيء جيد، إذا كان يفعل بطرق تعود على الشعب بفائدة)، كانت إسرائيل – بجانب عملياتها العسكرية المتوحشة – قد شرعت في طريق آخر .. التعليم.

إسرائيل والتعليم

­­إسرائيل بصفة عامة دولة متقدمة، فهي تحتل مراتب عالية في معظم مؤشرات النمو التابعة للأمم المتحدة (طبعا عدا مؤشرات حقوق الإنسان)، كذلك مؤشرات التعليم لا تختلف كثيرا، فجامعاتها تحتل مراكز متقدمة للغاية، ومراكزها البحثية تحظى بمكانة مرموقة وسط المجتمع العلمي، وينعكس ذلك على اقتصادهم، سياساتهم وأمنهم القومي وسوف أستعرض ذلك من بعض الإحصائيات.

فيما يلي مقارنة بين مصر وإسرائيل في بعض النقاط الديموغرافية والتعليمية:
Untitled

إنه لمن المحزن أن أرى هذه الإحصائيات من بلد بقامة بلدي الحبيب. ببعض التحليلات لتلك الإحصاءات نستنتج الآتي:

  • الناتج القومي الإسرائيلي أعلى من نظيره المصري بالرغم من كبر مساحة مصر و فرق عدد السكان الهائل.
  • الإنفاق على التعليم في إسرائيل يقارب ضعف نظيره المصري.
  • النشاط البحثي الإسرائيلي ضعف نظيره المصري بالرغم من أعداد الخريجين الهائلة في مصر.
  • لا توجد جامعة مصرية واحدة بين أفضل ٥٠٠ على مستوى العالم بينما تحظى ٦ جامعات إسرائيلية على ترتيبات متقدمة.
  • ترتيب إسرائيل في مؤشر التعليم ومقارنته في مصر لابد وأن يشعرنا أن هناك خطب ما يجب علاجه وبسرعة.

 

تلك المؤشرات ليست فقط أرقامًا نراها ونقرأها، بل هي لها أثر كبير للغاية على سياسات الدولتين وعلى اقتصادهما. تخذت الدولة الإسرائيلية من العلم والمعرفة هدفًا حيويًا للغاية منذ أن نشأت على أراضي العرب المحتلة، فهم أدركوا منذ البداية أن العلم والمعرفة هما السبيل ليس فقط للتقدم والرقي، ولكن أيضا للقوة. هذا بلا شك يمكن أن يكون الدرس الأوضح المستفاد من القرن العشرين. انظر كيف استطاعت الولايات المتحدة تجميع ألمع علمائها للقيام بتصنيع أول قنبلة ذرية تحت مسمى ال Manhattan Project، فعلماء أفذاذ مثل Richard Feynman ، J. Robert Oppenheimer كانا السبب الرئيسي لامتلاك الولايات المتحدة للقوة الكافية التي مكنتها من إنهاء الحرب العالمية لصالحها و بروزها كقوة عظمى.

العلم هو القوة، و جعلت إسرائيل من ذلك منهجًا، فبدأت في الإنفاق ببذخ على التعليم، علما بأن ثمار هذا الإنفاق سيعود علينا في صورة علماء يمكنوها من الوصول لمواضع قوة لحماية أمنها القومي. من أبرز الأمثلة التي تجسد علاقة التعليم والبحث العلمي بالأمن القومي في إسرائيل هي شركة IDE Technologies .

 

شركة IDE Technologies الإسرائيلية

تعتبر شركةIDE Technologies الإسرائيلية أكبر شركة لتحلية المياه في العالم كله. وقد حصلت على هذه المرتبة بسبب قدرة مهندسيها على زيادة الكفاءة لعملية الـ Reverse Osmosis بأقل قدر من الطاقة للحصول على مياه صالحة للشرب والري والصناعة. تم إنشاء هذه الشركة عام 1965، أي فقط بعد 17 عام من تكوين الدولة اليهودية وتمتلك الآن عقودًا لإنشاء محطات تحلية مياه في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، الهند والصين .

شركة كبيرة مثل هذه لم يكن ليكون لها وجود أو تقدم إلا بمجموعة من المهندسين العاملين بها على قدر وافٍ من التعليم الحديث، فباستثمار الدولة في هؤلاء، أمنت اسرائيل احتياجاتها من المياه وضمنت أمنًا استراتيجيًا لها يغنيها عن الدخول في حروب مياه مستقبلي، بل و يعزز مكانتها كرائدة في هذا المجال فتستعين بها قوى عظمة مثل الصين والولايات المتحدة .. أين نحن من هذا؟

سيليكون فالي الشرق

برز في الآونة الأخيرة مصطلح Startups وهي تعني “شركة مبتدئة”. وهي مرحلة مرت بها كل شركات التكنولوجيا العملاقة التي نراها الآن مثل Apple،facebook، PayPal وغيرها . وكان معقل تلك الشركات التكنولوجية الصغيرة حينئذ  –ولايزال – هو Silicon Valey بسان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة. ولا يغفل علينا كم تطورت هذه “الشركات الصغيرة” فأصبحت قيمتها أكثر من الناتج القومي لمصر وإسرائيل مجتمعة، حتى أنه في وقت ما كان الاحتياطي النقدي لشركة Apple أكبر من مخزون النقد السائل للبنك الفيدرالي الأمريكي.

مؤخرا، أصبح يطلق على تل أبيبThe next Silicon Valley ، (سيليكون فالي القادمة) أو Startup Hub، وتعد الآن من المناطق الساخنة والجاذبة بشدة للشركات المبتدئة وخصيصًا في مجال الكمبيوتر والتكنولوجيا والاتصالات.

في دراسة للإمكانيات الإبداعية للدول، يحدد الـ “Global Technology Index” قدرة الدولة على البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا، وترتيب إسرائيل هو الخامس! يسبقها بالترتيب :الولايات المتحدة، اليابان، سويسرا، فنلند . ويليه : السويد، ألمانيا، كندا، الدنمارك وأخيرا هونج كونج!

لك أن تتخيل أن عدونا الأول يسبق ألمانيا في البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا. بإمكان هذه الحقيقة وحدها أن تغير سياسة مصر بأكملها إذا فهمنا تداعيات ذلك على المدى القصير والبعيد.

إليك بعض الشركات الإسرائيلية في هذا المجال التي ربما لم تكن تعلم أنها بدأت في أراضينا العربية المحتلة :

  • Viber برنامج الاتصال الشهير
  • SanDisk ، شركة الـ Memory العملاقة
  • Intel Israel (فرع شركة إنتل بإسرائيل) كان مهد المعالجات الحديثة بابتكارها معالج 8088 الذي كان نقلة نوعية بالنسبة لإنتل وأنقذها في ذلك الوقت.

وها هو Link من موقع اسرائيلي يتباهى بـ 41 اختراعًا من شركة إسرائيلية

وهي ليست بشركة صغيرة تنتج منتجات بلاستيكية، ولكنها في صميم العلوم والتكنولوجيا التي تحتاجها إسرائيل من الطاقة والمعلومات والاتصالات.

بالنظر للمعلومات والحقائق المطروحة، يتضح لنا إن هناك جبهة كاملة لا نخوض الحرب فيها ضد عدونا، بل تركناه لمدة 70 سنة يطور من إمكانياته حتى تفوق علينا بمراحل، وثبت قدميه في المجتمع الدولي، وأثبت أنه قادر على حماية أمنه القومي ليس بالسلاح فقط. فبالرغم من كون إسرائيل في حالة حرب شبه دائمة (على عكس مصر التي حازت استقرارًا نسبيًّا لمدة 40 سنة في عصور السادات ومبارك)، تمكنت من الموازنة بين إنفاقها على التسليح للجيش بما يقتل الناس، وتسليح أبنائها بما يرسخ وجودها .

متى تدركون أن الأمن القومي ليس حكرًا لكم، ليس حكرًا على السلاح الثقيل، متى تواكبون العصر، متى تحمون أمننا القومي يا سيادة اللواء؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعليم
عرض التعليقات
تحميل المزيد