يقول ألبرت أينشتاين: من الغباء إعادة نفس التجربة وتوقع نتائج مختلفة.

على ضوء هذه القولة نرى أن الإنسان اليوم ما زال يعيد نفس التجارب ويتوقع – بغباء – نتائج مختلفة بخصوص حل المشاكل التي تهدد العالم أو أغلب سكانه، وذلك باعتماده على السياسة في حل الأزمات، بدل أرقى أسلوب لحل المشاكل والذي يتمثل في المنهج العلمي الذي به خُلقتْ التكنولوجيا.

لماذا العلم؟

إن المتأمل في مكتشفات العلم وتطبيقاته منذ بداية القرن الماضي إلى الآن سيجد نفسه مجبرًا على الاعتراف بأهمية العلم ودوره الرئيس في القفزة الحضارية العملاقة التي حدثت وما زالت مستمرة، حيث يكفي أن نلقي نظرة على حياة الناس قبل أقل من ثلاثة قرون لندرك أن حياتهم كانت أقرب لحياة المزارع البدائي عن قربها لحياتنا اليوم، ومع افتراض أن الإنسان تجاوز مرحلة المراهقة العلمية – التي نتج عنها تركيز قوة العلم في الجانب المظلم –، فإن هذا سيجعلنا نؤمن بقدرة العلم على خلق مستقبل مشرق للبشرية بسلام.

نقصد هنا بالعلم، العلم الحديث الذي أدى إلى تطوير وتحسين طريقتنا في التفكير وفي فهم العالم والإنسان بطريقة عقلانية أدت للإبداع التكنولوجي والنضج الفكري، بالرغم من أن هذا لا يسمح لنا بكل بساطة أن ننكر دور التجارب البطيئة التي مرت بها الحضارة البشرية والتي أكسبتنا خبرة أدى تراكمها بالإضافة إلى حافز الدليل العقلي لظهور العلم كمنهج منظم يعتمد عليه في الفهم والتطبيق، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن التكنولوجيا هي التطبيق العملي للمعرفة النظرية، سنتجاوز التطبيقات القديمة التي يعتبرها البعض ضمن التكنولوجيا – وهي كذلك من ناحية ما لأنها قامت فعلًا بتحسين حياة الناس – رغم أنها متعلقة بالخبرة التي تفتقر إلى المنهج.

 

إذًا يجب الإشارة إلى أنه لا جدال بأن الخبرة التي اعتمد عليها القدماء أدت لإنجازات تخفق لها القلوب وتحير العقول كالأهرامات في مصر، التي تجعل الكثيرين يعتقدون أنهم اعتمدوا على العلم في البناء، والزراعة التي تعد أعظم الاكتشافات التي قام بها البشر لكونها أدت لاستقراره، وبالتالي إيجاده وقتًا للتفكر في الكون ونفسه، ثم التدجين الذي أدى لاستغلال طاقة الحيوان وجهده في إنجاز الأعمال بكل سهولة مقارنة بالماضي… إلى غير ذلك من الاكتشافات والإنجازات. إلا أن هذه الأعمال المعتمدة على الخبرة لم تخضع للمنهج العلمي الدقيق الذي يؤدي لفهم الاكتشافات والعمل على تحسينها، مما جعل رحلة التطور الحضاري شاقة وبطيئة استغرقت آلاف السنين بدون أي نتيجة مماثلة للتي قدمها العلم في سنين معدودة، ما يعزز ثقتنا في المعرفة التي تعتمد على المنهج العلمي أكثر من تلك المستمدة من الخبرات المتراكمة والتي كانت ضرورية بدون شك لظهور العلم.

 

ولإبراز أهمية العلم – التكنولوجيا – سيتوجب علينا إلقاء الضوء على بعض تطبيقاته التي نستعملها يوميًا والتي لا نستطيع الاستغناء عنها تقريبًا، مثلًا أنت لم تكن لتستطيع قراءة هذا المقال لولا العلم كما لم تكن لتجد الوقت الكافي لذلك حتى لو توفر المقال بطريقة ما، في عصر يفرض عليك الخروج للصيد أو الرعي أو الزراعة الذاتية لتوفير الطعام، بالإضافة لجمع الحطب لطهي الطعام والتدفئة والإنارة ثم جلب الماء للشرب والغسيل… إلخ، وفي حالة أخرى قد يتوجب عليك شراؤها وهذا يفرض عليك مهام أخرى لا تقل صعوبة عن الأولى لتوفير المال كالخروج للحرب من أجل الحاكم أو الدين أو شيء من هذا القبيل، أمور قد تبدو بسيطة للبعض لكنها مسألة حياة أو موت بالنسبة للبعض الآخر في العالم الذي لا يعتمد على التكنولوجيا، أما في عالم يعتمد على التكنولوجيا فيمكن تفادي كل هذه المهام ببساطة وذلك بتوفير كل شيء للجميع بدون الحاجة للمال أو الجهد، وهذا بالطبع لا ينطبق على عصرنا – كما هو واضح – الذي يدعي أنه عصر التكنولوجيا، وهو كذلك من ناحية لكن من نواحٍ عدة هو ما زال عصرًا بدائيًا لا يرقى لمستوى العلم الذي يتوفر لديه، والدليل على ذلك هو وجود المجاعات في الوقت الذي نستطيع فيه القضاء عليها نهائيًا لو اعتمدنا على التكنولوجيا في حل الأزمة بدل السياسة التي بلا شك لم تعد تصلح لزماننا، ففي عصر التكنولوجيا يجب أن لا نرى الحروب التي لم يعد لها مبرر مقنع كما كان في العصور الماضية، فالقومية والوطنية وكل الأمور التي تجعلنا نتعصب لفئة ما لدرجة الاستعداد للحرب من أجلها تبدو سخيفة وخطيرة في الحضارة الذكية، خاصة إذا ما تعمقنا في فهمها لإدراك الأخطار التي قد تسببها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحروب المستقبلية ستهدد وجود الجنس البشري بأكمله أو على الأقل أغلب سكانه وذلك بضغطة زر كما لا يخفى على أحد.

لماذا التكنولوجيا بديل للسياسة؟

إن الإيمان بفكرة أن التكنولوجيا قادرة على تغيير وضع الجنس البشري نحو الأفضل، ضروري لتجاوز مجموعة من المشاكل التي قد تبيد جنسنا البشري على هذا الكوكب، كمشاكل المجاعة التي يمكن القضاء عليها إذا ما تم القضاء على النظام الاقتصادي الحالي الذي لا يهتم بالموارد بقدر ما يهتم بالأوراق النقدية – الوهمية –، فلو كنت جائعًا والسوق مليء بالطعام، فستبقى جائعًا إذا لم تحصل على ورقة نقدية تسدد بها ثمن الطعام، بينما في المدن التي تجعل من التكنولوجيا خدمًا لها فسيكون الطعام متوفرًا للجميع لأن المال والجهد البشري لا وجود لهما وبالتالي لا حاجة للدفع لتحصل على الطعام الذي ستوفره التقنية المتقدمة في الزراعة، وذلك باستغلال الأراضي الصالحة وغير الصالحة للزراعة على حد سواء، كما يمكن القضاء على الأمراض الخطيرة والأقل خطرًا بتركيز البحث العلمي عليها، وتوفير العلاج المجاني للجميع، فسبب الفشل اليوم هو أن أغلب المنظمات التي تقوم بهذا البحث منظمات ربحية، وبالتالي ليس في صالحها القضاء على الأمراض بقدر انتشارها، لذلك ليس من المستغرب أن نعتقد أن بعض الأمراض تصنع في المختبرات وبالوسائل التي يمكن أن تقضي على الأمراض – كتقنية النانو –، كما أن السجون لن يكون لها وجود في هذه المدينة لأن الدوافع – كالسرقة، الحسد والصراع… – التي تجعل المرء يرتكب الجريمة ستختفي، أما الطاقة التي بسببها يحدث كل هذا الشر في العالم، فيمكن توفيرها باستغلال الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية، طاقة الريح والأمواج، بالإضافة للطاقة التي تأتي من باطن الأرض – طاقة حرارية جوفية –.

أهم مبدأ في الكون

يجب أن ندرك أن الكون الذي رحب باكتشاف القوانين التي تحكمه، قدم لنا أهم مبدأ ترتكز عليه هذه القوانين والذي يتمثل في التغيير، حيث كل شيء يتغير إلا التغيير، بدءًا بنشأة الكون التي تمت عبر مراحلة تطورية بدأت بنقطة صغيرة الحجم، إلى غير ذلك من النظريات العلمية – الأحياء، الجيولوجيا… إلخ –، ولهذا فالقول إن طبيعة الإنسان – الذي هو جزء من الكون – لا تتغير ادعاء خاطئ تمامًا، ويتضح هذا بعد أن نمعن القراءة في أحداث التاريخ التي تزخر بأمثلة وأحداث تثبت لنا عكس هذا الإيمان، فالإنسان قبل عدة قرون كان يحرق المختلفين معه بكل فخر وأمام الجماهير بما فيهم الأطفال الذين كانوا يستمتعون بهذه اللحظات متمنين أن تتكرر في قادم الأيام، كما كانت المرأة أدنى من الحيوان في أغلب الحضارات، أما الدفاع عن العبودية فكان ضربًا من الجنون، بينما محاولة تفسير الظواهر الطبيعية والكونية تعتبر هرطقة واضحة للجميع، والكثير من الأحداث والأفكار التي يحملها التاريخ بين أحشائه تثبت لنا أنه لا يجب أن نسلم بالحجج الميتافيزيقية التي تجعل الثبات هو المبدأ الأساسي لطبيعة الإنسان، محاولة بذلك تبرير اضطهاد المستضعفين، شقاء الناس المظلومين وكذا الحروب باعتبارها خالدة، لأن طبيعة الإنسان لا تتغير.

 

وللتعمق أكثر في المسألة يجب دراسة الفرد وعلاقته بالمجتمع، لندرك أن النفس البشرية وهي كياننا الاجتماعي – أي مجموعة اعتقاداتنا وقيمنا الأخلاقية – موجودة بوجود المجتمع، فلا شك أن المجتمع الذي يجعل من الحرمان شعارًا له، سنجد فيه عددًا لا يحصى من المجرمين الذين يخترقون هذا الحاجز بأي وسيلة ممكنة – السرقة، القتل، الاختطاف والاغتصاب… –، لكن إذا وفر المجتمع لأفراده ما يعتبر دافعًا لهذه الجرائم فستختفي هذه الأخيرة، لأنه من السخف الاعتقاد أن طبيعة الإنسان تتغذى على الجرائم وأن هذه الطبيعة لا يمكن دراستها وتغييرها، ففي الأخير يوجد تفسير بسيط لكل هذه الأفعال مما يعني وجود الحل، الذي وللأسف ما زلنا ننظر إليه ولا نراه.

وتقودنا فكرة وجود النظام الاقتصادي الحالي الذي يرتبط جدليًا بكل الأزمات والمشاكل البشرية، والذي يعتمد على أوراق مالية لا قيمة لها فعليًا، ويسمح – بل يفرض – بوجود أمور مثل الشرطة، الجيوش، المجاعة، الأمراض والتعصب للقومية… تقودنا للجزم أننا ما زلنا في بداية التحضر عكس ما نعتقد – أننا في قمة الحضارة –، مع اعتبار أن الحضارة هي نوع من الوجود الراقي للجنس الذكي الذي يحافظ على موارد كوكبه ويتصالح مع الطبيعة فيخدمها بالتكنولوجيا المتوفرة لكي يضمن عيشه المريح، وذلك لأن فكرة السيطرة على الطبيعة وعلى الآخرين هي فكرة المتحضر البدائي – المراهقة الحضارية – إن صح القول.

 

إذًا وكما قلنا سابقًا ونقول تكمن أهمية العلم في توفير الحلول الأكثر حكمة للمشاكل البشرية، وذلك شريطة إنشاء مجتمع سليم يسهر على سلامة النفس البشرية، أما فكرة التكنولوجيا بديلًا للسياسة فليست خلطًا بين المجالين كما قد يعتقد البعض، فمما لا شك فيه توجد علاقة جدلية بينهما اليوم حيث تؤثر السياسة في توجيه التكنولوجيا باتجاه المصلحة الشخصية أو القومية ضد الآخر، بينما تؤثر التكنولوجيا في توجيه القرارات السياسية نحو الخطر، ولهذا تخلق الأزمات والمشاكل ويصبح للمجاعات والأمراض والحروب مبررات مصلحية، أما الحل فيكمن في القضاء على هذه المصلحة الضئيلة مقابل مصلحة عظمى تحقق السلم والراحة للبشرية، وذلك بأن يتم وضع المسؤولية في يد الحاسوب الذكي، لأن احتمالية الخطأ في مهمته ضئيلة مقارنة بالإنسان الذي قد تكون له مشاكل شخصية تنعكس سلبًا على خدمته، ففي آخر المطاف الحاسوب لن يمارس السياسة – التي تعتمد على الخداع والكذب – لكي يتخذ قراره – توزيع الطعام وتنظيم الحياة اليومية في المدينة الذكية – كما في مشروع فينوس.

ختامًا أقول

عندما يتم توفير كل شيء للجميع لن نحتاج للسياسة لتحقق لنا السلم أو الطعام، إلا إذا كانت نية البشر هي الاستمرار في خلق دوافع للحروب والمجاعات، وبخصوص العلم يجب الانتباه أن السياسة التي وجهت العلم اليوم في الاتجاه الخاطئ، لذلك لا يجب أن يوجه العلم إلا نظام اجتماعي علمي.

 

ما تم مناقشته أعلاه لا يندرج ضمن المثالية كما قد يعتقد البعض، وإنما ضمن الواقع الأكثر واقعية لحل المشاكل التي تحدق ببيتنا. فالأرض بيتنا والكون وطننا، والتكنولوجيا وسيلتنا للتصالح مع الطبيعة لضمان وجود الجنس البشري.

وأخيرًا أنهي بقولة علي عزت بيجوفيتش:

الصاحي يبدو مضحكًا بين السكارى، لأنه في صحبة السكارى وهؤلاء يكونون الأكثرية، وهم يحددون ما هو طبيعي، فالرجل الصاحي يتصرف بشكل غير طبيعي في هذه الصحبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد