من الخضوع إلى التمرد

على مشارف عام 2011 م وتحديدًا في مِصر إبان الثورة المجيدة «ثورة 25 يناير»؛ وُلدت من رحم الثورة ومن باطن الالتحامات الفِكرية التي جاءت على رؤوس كل فرد أصولي كالمطارق المتتالية؛ أفكارًا على النهج الجذري الذي لم نعتد عليه كشعب مصري «مُحافظ»؛ فالأفراد المصرية اعتادت تكوين جماعات وبناء أجواء دافئة بأقل مجهود فِكري يمكن بذله، فعلى سبيل المثال لدينا يوم الجمعة المُشرق الذي ندلدل فيه آذاننا إلى شيخ الزاوية لنُعطي له تفويض بإلقاء الحكاوي وقَصص الأنبياء ومن ثم التحلية بـ«حديثين تلاتة» حتى تكتمل الوجبة؛ مُهملين كل الإهمال مدى مصداقية الـ«خمستاشر ألف رواية» الذين أطربنا بِهم مولانا الشيخ، ثم نعود إلى منزلنا لنستمع ونتلقى العِلم الخام من مولانا الشعراوي؛ فعِند الشعراوي تجتمع الفتيات لتسمع النصائح المُلهمة من مولانا؛ نصائح على شاكلة أن «المرأة وِعاء لستر غرائز الرجل ومكانها المناسب هو المنزل ومهامِها هي التربية»(1)، ويجتمع عِنده الشباب والأفراد المصرية التي تطمح إلى تعزيز الترابط الديني في مصر؛ لتتلقى من فَمِه المبارك فتاوى مِثل «حرمانية تهنئة المسيحي بعيده»؛ وعِند مقابلة المسيحي في عيده فيجب عليك أن «تتوه وتعمل فيها إنك مش عارف إن ده عيده»؛ لأنك إن قلت له «كل سنة وانت طيب» في عيد القيامة مثلاً؛ فهذا يكافئ أنك تقول له «أنا مؤمن بموت المسيح ثلاث أيام على الصليب وقيامته من الموت في اليوم الثالث ليدير شئون الحياة هو والأب والروح القدس»، ــــ ملحوظة : هذه الفتاوى ـ مع الأسف ـ ليست لغرض فكاهي بل لقد تلفظ بِها الشعراوي ـ بكل جدية ـ في إحدى فتاويه. (2)

وعلى هذا النهج «الطيب» يعيش المواطن المصري ما يقرب من ثلاثة أرباع حياته تحت سقف المجتمع المصري؛ ليتغلف بسياساته الموجهة دون اعتراض أو حتى إدراك لأي شئ ـ من الأصل ـ لكي يُفكر أساسًا في الاعتراض عليه، أو كما أحب أن أدعوه يعيش في حالة من «الشعبطة الفِكرية»؛ ولكن إبان ثورة يناير ظهرت كوادر عفوية الأسلوب ومختلفة الأفكار لتقول بنبرة غليظة: «ربنا مش موجود؛ والدين الإسلامي/ المسيحي ليس دين سماويًّا بل هو عمل بشري»؛ من رحم الثورة ظهرت كوادر جديدة لتعبث بحالة الدفء المصرية المعتادة؛ كوادر أمثال مصري مُلحد – يعتبر مصري ملحد أول من خرج يصرح بإلحاده على الملأ منتقدًا النص الديني بشكل عفوي نادرًا ما يتكرر في الآونة الحالية؛ يُلقب مصري مُلحد أيضًا بالأب الروحي للموقف اللاديني المصري نظرًا لكَونه أول المتحدثين في ظل خمول المشهد – وثاني الكوادر وأبرزها هو جورج بول – ثاني من خرجوا لينتقدوا النص القرآني ونصوص الكتاب المقدس والطوائف المسيحية المختلفة على نفس استقامة مصري ملحد، مع العلم أن جورج خرج ـ على حد قوله ـ تأثرًا بشجاعة مصري ملحد – والآن وبعد أن تعرفنا على اللبنة الأولى من الفِكر اللاديني في مصر؛ فدعنا نحلل وجود كوادر لاذعه أمثال جورج ومصري مُلحد؛ وهل سُحب الخط الذي رسمه جورج ومصري مُلحد على استقامته أم تم عوجه تمامًا؟

شريف جابر على أنقاض مصري ملحد: ما بين السخافة والتشويه

على الرغم من اِستنكار ونفور الكثيرين لمِثل تلك الأفكار التي أتى بِها مصري مُلحد وجورج بول؛ فإن أي مُتابع جيد لهما سيكون على دراية واسعة بمدى الثقافة الدينية التي يتمتع بِها كل مِنهما؛ ففي غضون دقائق لمصري ملحد تسمعه يُلقي روايات من الشرق ونصوص دينية من الغرب وتفسيرات من الجنوب وآراء من الشمال – كل مِنها سنده صحيح وتستطيع التأكد من ذلك بنفسك هذه المرة على الأقل – ومن ثم يبادر بنقدها بشكل لاذع وعفوي يدل على درايته الواسعة بِها، وكذلك جورج بول الذي يفند الكتاب المقدس نصًّا تلو الآخر بالتزامن مع إلقاء تاريخ كل مخطوطة للكتاب المقدس ورأي كل باحث مختص بدراسة الكِتاب المقدس؛ فبعيدًا عن قرارات مصري ملحد وجورج بول وغيرهم النهائية التي لا تهمنا البتة في هذا المقال – كما لا يهمنا إيمان أو عدم إيمان أي شخص آخر – فما أريد تصديره وتقريره هنا هو الثقافة الواسعة التي يتمتع بِها كل من مصري ملحد وجورج بول وغيرهم من اللادينيين الأوائل؛ وسنتحدث لماذا اختصصت الوصف بالأوائل في الجملة السابقة بعد قليل، ولكن في البداية وقبل الحديث عن لماذا قُلت الأوائل؛ دعنا ندرس المشهد المصري بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات؛ فبعد أربع سنوات خرجت كوادر من نوع ثانٍ هدمت كل لبنة فِكرية بناها مصري ملحد أو جورج بول أو محمد عبده أو الغزالي؛ فكل فرد منهم صدر لنا ثقافة؛ سواء ثقافة دينية؛ أو ثقافة نقدية لاذعة، بعكس ما صدره أمثال شريف جابر، شريف جابر شاب ملحد خرج ليقدم نقده للمجتمع المصري تقريبًا عام 2015 م؛ ولحسن حظه – ولسوء حظ اللادينيين – كانت منصات التواصل الاجتماعي احتلت مكانة مهمة في حياة الفرد المصري الروتيني، فلم يبصر الأفراد اليافعون والمسنون مصري ملحد أو جورج بول أو أحمد سامي؛ بل أبصروا شريف جابر؛ فتصدر شريف المشهد اللاديني المصري وتربع عليه؛ ونظرًا إلى كَون اللادينية ملفًا فِكريًّا جديدًا يتعامل معه المجتمع المصري؛ فلقد قُبل بصدر غير رحب على الإطلاق؛ فمن ضفة انجرفت العديد من الشباب – الذين لم يكونوا على دراية بالدين من الأساس حتى يتركوه – نحو شريف جابر وكلماته البراقة الجديدة؛ وتصدروا – بجانب شريف – المشهد المشوه الذي قضى على الصورة التي جاهد مصري ملحد وجورج بول لبنائها؛ صورة أن اللاديني هو مثقف على دراية واسعة بالدين بجانب درايته السياسية أو العلمية أو الفلسفية؛ تلك الصورة التي قصمها شريف بكل بلاهة حين قَدم أطروحات هشة لنقد الدين، فأدت هشاشته في النقد إلى الضفة الأخرى التي تتلخص في انجراف الشيوخ والدعاة ليحجزوا مكانًا وسط الفوضى العارمة وليحتلوا مكانة «حماة الدين»؛ وليتكئوا على شماعة «شريف جابر»؛ فعملوا جاهدين – أكثر مما عملوا لحماية الدين بالمحاورة – حتى يصدروا للناس أن «الملحد عايز يشوف ربنا وألحد علشان شهواته» وبالطبع تأتي هشاشة تلك الأقاويل في مستوى هشاشة أطروحات شريف نفسه؛ فأصبحت الأقاويل يصدق أنها قِيلت من قِبل الملحدين بحكم أن شريف متصدر المشهد ومن الوارد ـ من وجه نظر الفرد المؤمن ـ بناءً على ما يطرحه شريف أنه لعله فعليًّا يقول «إنه يريد رؤية الله» – حتى هذه الإشاعات لم يتأكد الفرد المصري من صحتها – فتحولت المقولات من كَونها تشويه لموقف اللادينيين؛ إلى كَونها حقيقة تروى عنهم آناء الليل وأطراف النهار، ومن ضفة أخرى تعزز تلك التشويهات صورة الموقف الديني أمام الأفراد المتدينين؛ من قِبل أنه «لو الإلحاد مُر يبقى الإيمان مسمسم».

ومن هنا توضح لنا صورة الملحد السلفي الذي ولد على أنقاض شريف جابر؛ الملحد الذي اشتاق إلى الدفء؛ ولكن في رحاب اللادينيين عوضًا عن صُحبة المتدينين، فكما كان الفرد يتبع الرموز الصالحة ويستقصي معلوماته من ميكروفون الجامع أو من أبونا في الكنسية بدون التحقق من مدى صحة تلك المعلومات التي يجاهد لنصرتها ليلًا ونهارًا؛ فنتج لنا في المقابل ملحد سلفي يتكئ على تصديرات شريف جابر – الهشة باعتراف العديد من اللادينيين أمثال أحمد سامي – بدون فحص أو تحقق أيضًا، ومن هنا تُبرز لنا مساوئ التراكم في القرارات؛ فقرار مِثل الإيمان أو الإلحاد يكون قرارًا هشًّا في خضم التراكمات؛ فحين تصبح المعرفة حِكرًا على أحد؛ تولد حينها الرموز؛ سواء الدينية أو اللادينية، وتولد معها السلفية؛ سواء الدينية أو اللادينية، فحين يأتي الفرد بفِكر جديد يكون عليه عبء الثقافة والرصانة في الطرح والدراسة؛ مِثل ابن سينا والغزالي حين خرجوا وسط المتشككين الأوائل بفلسفات عبقرية تخدم مبحث وجود الإله؛ ذلك لترعرعهم وسط أزمات نقدية ضد الدين والمبحث الإلهي تستوجب التجديد؛ فوجب عليهم الدراسة والتفكير والفحص المُمنهج ليخرجوا بفلسفات جديدة على المتشككين، وكذلك حين خرج مصري ملحد وجورج بول وأحمد سامي بفلسفات نقدية لاذعة على الدين؛ لنشأتهم وسط مجتمع متدين أجبرهم على التثقف والدراية الراسخة بالفلسفة والدين، فمع الأفكار الفردية تولد العبقرية، ومع الأفكار التراكمية تولد الهشاشة والكهنوت والأيقونات، وفي النهاية ما هي الآليات الواجب إتباعها لعدل ثقافة الفرد المصري «المتشعبط» عمومًا بغض النظر عن دينه أو توجهاته؟ السبيل الوحيد – من وجة نظري – لعدل هذا الحال المائل هو أن نهدف إلى زيادة الزخم الفكري مبين الطرفين؛ اللاديني والمتدين حتى نرى ازدهارًا في مستوى الأطروحات والردود ما بين الطرفين؛ ازدهار لا نقابله بالمشاهدة والتعجب؛ بل نقابله بالفحص والتدقيق والتثقيف المستمر، فعن طريق الجدل نستطيع أن نبني أرضيات صالحة في مبحث الحوارات الفكِرية الخالية من أي أيقونات أو هشاشات، نستطيع حينها – فقط حينها – أن نقف على مراتب ثقافية محترمة، فبغض النظر عن القرارات النهائية للفرد – التي هي قرارات شخصية بحتة لا دخل لنا بها – فالأهم هو ثقافة الفرد وتخليه عن مساوئ التراكمات؛ وتشبثه بالمنهج والأداة السليمة؛ ألا وهي العقل، عقله هو؛ لا عقل الشعراوي أو عقل شريف أو عقل جورج أو عقل مصري ملحد أو عقل إمام الزاوية، فالعقل وجد للجدل والتزاخم؛ لا للمشاهدة والتصفيق الذي لا يضر ولا ينفع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد