الرافد: (مجرى مائي يصب في مجرى مائي آخر)، وفي معنى آخر: صاحبه، ساعده، وعاونه، ومن هذا المنطلق نعرف أهمية هذا الوافد الذي أصبح رافدًا لنا وإضافة لبلدنا، وعونًا لنا لبناء وطننا، وصب خبرته ومجرى معرفته في مياهنا، حيث منذ عشرات السنوات، أصبح ذكر الكويت على كل لسان ومعاملتها مع هذا الوافد بكل إحسان، محل تقدير وثناء من الكثير ممن عمل بها ويذكرها إلى الآن ولا ينكر خيرها، بل وحتى وهو في وطنه يتلهف لقراءة أخبارها ويفرح بلقاء أبنائها. 

ولكن في هذه الأيام طرأ طارئ جديد وأسلوب من البعض فريد وفي مجمله غريب، حيث أصبح الوافد حديث الساعة في مجتمعنا، وكأن هذا الوافد نزل علينا بالبراشوت بين ليلة وضحاها، فاكتشفنا وبالصدفة المحضة أن لدينا وافدين! وأنهم عبء علينا، ومن أسباب الهدر لدينا، ولم نكتشف هذا الاكتشاف الرهيب، والداء الخطير، والضرر الضرير، إلا في هذا الوقت المريب، بعد تسريبات ديوان الخدمة المدنية، حيث صحونا من غفلتنا واكتشفنا هفوتنا، وكأن هناك من يريد أن يقدم الوافد كبش فداء وضحية العيد، حتى تبتعد الأنظار عنه ولا تمتد يد المحاسبة له. 

نعرف وندرك ونوقن مدى خطورة التكدس الكبير لبعض العمالة الوافدة في وطننا الحبيب، والأعداد الهائلة المتواجدة، وبح أصوات الكثير منا ونحن ننادي بأعلى الصوت لتخفيف هذا الحمل، ولكن لا حياة لمن تنادي، وأنا هنا أتحدث عن العمالة الوافدة الهامشية؛ وغير المنتجة والذين نراهم على أرصفة الطرقات، وبجانب المحلات أو في مداخل بعض المناطق السكنية، وبالقرب من الصناعية، أما الوافدون بشكل عام فلا نبخس حقهم ولله درهم منهم من قدموا إلى وطننا الكثير، حيث كانت يدهم بيد المواطن في البناء والتعمير، وفي شتى المجالات التربوية والصحية.

ولكن ما يدعونا للتفكر وأخذ برهة للتأمل، لماذا في هذا الوقت بالتحديد؟ زادت جلبة البعض؛ وعلا صخبها؛ وبان ضجرها؛ وصبت نار غضبها على الوافد، أليس بهذا تخفيف للحمل، وتغير للدفة؛ وتوجيه للبوصلة نحو هذا الوافد، حيث إنه الحلقة الأضعف في هذه المعادلة غير العادلة، وكأن الوافد هو من عين نفسه في هذه الوظيفة؛ أو ذاك المنصب وبدل أن نستل سيفنا على المسؤول وجهناه على هذا المسلول!

والذي يثير الاشمئزاز أكثر ويدعو لامتعاض أكبر هو سر الحماسة (الطرزانية) إذا جاز المسمى، يدلي؛ يصرح، ويصرخ حيث إنه فجأة أخرج «Superman» الكامن داخله، وكاد حتى أن يشجب؛ ويستنكر من فرط حماسته وكأنه اعتدى على حرمة المال العام الذي لم نسمع منه كلمة ولم ينبس ببنت شفة فيه! أين أنت يا «Superhero» من الملفات العالقة؛ والقضايا الهامة المهملة، أين هذه الأصوات حينًا من الدهر هل كانت في سبات؟! هل أصبح طعن المسكين بالسكين أفضل الطرق لتسجيلك موقفًا لدى الناخبين، بدل أن تفعلوا أدواتكم وتحاسبوا من تسبب تريدون أن تجعلوا من الوافد هو السبب والمسبب. 

للأسف أصبح الوافد مادة دسمة للإدلاء بالتصاريح الرنانة، ليعلي البعض من شأنه؛ وليثبت أن له مكانة، وليست هذه بأول مرة فقبل أشهر من الآن سمعنا مثل هذا الحديث المؤسف، الذي يسبب ترسبات مجتمعية، وآثارًا للوافد نفسية، وملاحظات على وطننا من قبل الجمعيات واللجان الدولية، ويعزز الشعبوية؛ ويرسخ الفئوية، التي لم يعتد عليها مجتمعنا، ولم يقم عليها وطننا، ولا يحبذها ساستنا، ولا يدعو لها ديننا. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد