من الطبيعي عندما نشاهد صورة غير مكتملة، فُقِد أو قُطِع أو مُزِّق جزءٌ منها، فإنه لن تتشكل لدينا رؤية واضحة عمَّا توحيه الصورة من معانٍ، أو عن الرسالة التي توجهها إلينا، على العكس فإننا سنبني تصورنا ومفهومنا الخاص عنها من خلال ما شاهدناه من أجزاء غير مكتملة وأحيانًا غير مترابطة، تفتح مجالًا للحكم الخاطئ على فحوى الصورة ذاتها.

الأمر ذاته يحدث في مرحلة تشكل مفاهيمنا عن الدين، فحين يُقدَّم الدين بشكل ناقص ومجتزأ ومختزل من معانيه وحقائقه، فليس مستغربًا أن تتشكل مفاهيم خاطئة وردات فعل سلبية تجاه الدين ذاته لا فهمه، في حين يجب إعادة النظر والتجديد في المفاهيم نفسها بما يناسب كل زمان ومكان.

ومن الجدير الذكر أن بعض أسباب الفهم غير المكتمل للدين، تكمن بداية في تقديم الدين على شكل قوالب مختزلة ومجردة ومجتزأة من توجيهاته ومقاصده الكلية التي تشكل حاجزًا يعيق فهمه ومعرفته معرفة كاملة وشاملة؛ لأن الدين الإسلامي يشكل وحدة عضوية، ومن المؤسف أن هذه القوالب في الكثير من الأحيان يتم توارثها عبر الأجيال كأنها تمثل مفاهيم الدين الثابتة، إن لم تكن تُحسب على أنها الدين نفسه!

وبالإمكان طرح العديد من الأمثلة حول هذا الأمر، على سبيل المثال اختزال الصورة الكاملة للدين في العبادات والشعائر فقط بعيدًا عن كونه منهجًا كاملًا يقّوم حياة وسلوك البشر وطريقة معيشتهم، أو العكس تمامًا، حيث يتم اعتبار الدين على أن مكانه في القلب فقط ولا داعي للشعائر والعبادات، بينما الأمران هنا وجهان لعملة واحدة هي رؤية الدين ناقصًا مجتزأً من صورته الكاملة.

أحيانًا أخرى تتشكل تصورات خاطئة تسبب في هدم أركان رئيسة في الدين، مثال على ذلك، عندما تُدرس السيرة النبوية من بُعد واحد، وتُغيّب الكثير من الأحداث والمقاصد فيها، تثير ظنونًا لدى بعض المتدينين، وبالتالي تتولد نظرة تشوبها الريبة أو يداخلها الشك حول نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، هذه النظرة تؤدي في كثير من الأحيان إلى إنكاره ورسم التصورات المسيئة حوله.

ونتيجة لاحتكاك الفكر الإسلامي بأخلاط من المذاهب والأفكار الأخرى، وأيضًا نتيجة لتأثير الفكر الغربي على الدين، تشكلت بعض التصورات والمفاهيم المغلوطة الأخرى التي يمكن هدمها من الجذور في حال تم إجراء دراسات شاملة ودقيقة ومؤيدة بالحجج والبراهين التي تدحض تصورات كهذه، وربما آية (للذكر مثل حظ الأنثيين) تشكل مثالًا جيدًا حول النقطة التي ذكرناها آنفًا، فقضية الميراث باتت من القضايا التي تُذكر من حين لآخر كدعوى للدفاع عن حق المرأة في المساواة إلى جانب العديد من القضايا التي تشابهها، لكن بتعمق بسيط في أحكام المواريث جميعها ومقاصدها التي غُيّبت هي الأخرى وأصبحت بمنزلة الجزء المبتور من الصورة الكاملة، سيتبين للباحث أن المسألة ليست مسألة عدم مساواة، بل هي مسألة منهج شامل ومتكامل لتوزيع المواريث على الذكر والأنثى بما يحفظ حق كل منهما مع عدم البغي على حق الآخر، وفي حين تُأخذ الآية السابقة على أنها أساس منهج التوريث في الإسلام، فإنه جدير بالذكر أن نصيب المرأة في معظم الحالات تكون مساوية لنصيب الرجل، وحالات أخرى يكون نصيبها أكثر منه أيضًا! وحالات قليلة ترث هي والرجل لا يرث، لكن قلة انتشار الوعي في مجتمعاتنا وهيمنة العقل الذكوري غالبًا، تدفع ببعض النساء لتبني آراء الفكر الغربي دون التمحيص في الدين ذاته، بغض النظر عن المفاهيم المتشكلة حوله وعن صحة هذه الأفكار، وتدفع في الوقت نفسه بعض الرجال المتسلطين، ومن المؤسف أن البعض منهم من رجال الدين أيضًا، إلى التمسك بهذه المفاهيم ونشرها للحفاظ على سيطرتهم، طبعًا مع استثناء العديد من الجهود الصادرة من قبل بعض الدعاة والمفكرين ذكورًا كانوا أم إناثًا في سبيل التوعية وتصحيح المفاهيم.

أمثلة كثيرة بالإمكان ذكرها على غرار المثال السابق، يتم فيها التركيز على آية أو حديث واحد مقتطع من سياقه، ومختزل في فهم واحد ضيق كثيرًا ما يكون قد شُكِّل إثر مصالح شخصية بحتة، أو في محاولة لإنشاء قطيع كامل بفهم خاوٍ من أي معنى أو مقصد للدين.

أما عن دورنا من كل هذا، فهو بلا شك أو تردد نشر الوعي بكافة الوسائل المتاحة لدينا، في سبيل إعادة الصورة الحية الفاعلة للدين لدى معتنقيه، وإنشاء مناهج تربوية دينية حديثة تتماشى مع الفكر الإسلامي القويم، لصرف أبناء هذا الدين عن الوقوع في دوامة وصراع دائمين، لا يعلمون فيها من يصدقون، والعمل على أبحاث ودراسات علمية ممنهجة ومستمدة من المصادر الأساسية لدى المسلمين، تدحض تهافتات وادعاءات الغرب التي تدعو إلى الانتقاص من شأن الدين وتوجيه الاتهامات الباطلة إليه.

وعلينا ألا ننسى أن محاولاتنا في تحسين وتصحيح سلوك المتديِّن لن تؤتي ثمارها ما دام هناك مفاهيم خاطئة عالقة ومتشبثة بأذهانهم تعيقهم عن تغيير هذه السلوكيات. فكما قال وليام جيمس: يمكن للإنسان أن يغير حياته، إذا ما استطاع أن يغير اتجاهاته العقلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!