تشهد المنطقة العربية اصطفافات حادة وتحالفات جديدة أبعد ما تكون عن الاستقرار طويل المدى، بسبب التضارب الحاد في المشهد الإقليمي على خلفية الأزمات المتلاحقة فيه، الأزمة اليمينة وتفاعلاتها، والأزمة السورية وتعقيداتها وانعكاساتهما على الشأن الدولي. وفي ظل ذلك، يبحث نظام عبد الفتاح السيسي منذ وصوله إلى الحكم عبر انقلابه على محمد مرسي في الثالث من يوليو (تموز) 2013، كأول رئيس مصري منتخب بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، إلى تحالفات مصالح على حساب المبادئ والإجماع أو المصالح العربية أو هلى حساب داعميه بالأمس، هادفًا إلى تثبيت أركان حكمه غير مبالٍ لأي تبعات سياسية أو اقتصادية في رقعة جغرافية ملتهبة مذهبيًا.

رصد تاريخي للعلاقات بين البلدين

لم تكن العلاقات المصرية الإيرانية تسير يومًا على نغمة سياسية واحدة في تاريخها، فقد كانت عرضة لطبيعة الأنظمة الحاكمة في كلا البلدين، وتبعًا للأحداث السياسية ذات الطبيعة الأيديولوجية التي تحكم الساسة والسياسة.

إن الطبيعة أو الصفة المميزة للعلاقات بين عاصمتين لحضارتين كبيرتين سابقًا، يمكن وصفها بأنها علاقات فتور وتوتر خلال السنوات الستة والثلاثين الأخيرة، ويمكن التأريخ لهذه الطبيعة السلبية بأحداث مفصلية في تاريخ البلدين كانت من أسباب توتر العلاقات، وهي سقوط نظام شاه إيران في 11 فبراير (شباط) 1979 بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية واتخاذ الأخيرة قرار قطع العلاقات مع القاهرة، واستقبال الشاه من قبل الرئيس المصري الراحل أنور السادات في مصر[1].

لم تكد تمر سبعة شهور على الحادثة الأولى، حيث قامت مصر بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في سبتمبر من العام نفسه، والتي كانت تعتبرها إيران – منذ نجاح ثورتها – بأنها عدو لدود، ونصّبت نفسها مدافعًا عن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة باسم ثورتها الإسلامية، ومنذ تلك المعاهدة، دخلت مصر وإيران في قطيعة تامة على الرغم من بعض محاولات إرسال الوفود الشعبية الخجولة من كلا الطرفين[2].

توالت الأحداث وتبعتها المواقف، حيث قامت مصر بدعم العراق في حربه مع إيران عام 1980، وتوجيه مصر الاتهام إلى إيران بدعم الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، ودعم جماعات إسلامية مسلحة في مصر خلال فترة التسعينات من القرن الماضي.

تواصل الخلاف في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك بسبب موقف مصر من حرب الخليج الأولى حتى أغسطس (آب) 1988، لتستمر بعد ذلك إثر اندلاع حرب الخليج الثانية باحتلال العراق للكويت وموقف مصر المعادي للعراق والمؤيد لوجود قوات دولية في الخليج، حيث كان ولايزال أمن الخليج هو المحدد لطبيعة العلاقات بين البلدين.

الموقف الإيراني من مصر

وبالعودة إلى بدايات الثورة المصرية عام 2011، يبدو جليًا أن موقف طهران قد تَلَبَّس بالغموض والارتباك، ووجود حالة من عدم الفهم لدى إيران بشأن ما تمر به مصر منذ الفترة التالية لثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وما نتج عنها من إسقاط لرأس النظام المصري، ثم ما تلا ذلك من وصول مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية، حيث كان الموقف الإيراني مؤيدًا وداعمًا للثورة، عبر ما اعتبره المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي بصحوة إسلامية ليس في مصر فقط بل وفي دول الثورات العربية أيضًا.[3]

ومما يؤكد توجه إيران إلى عدم تشويش العلاقات مع مصر إبان حكم الرئيس محمد مرسي، أنها لم ترهن العلاقات بالدعم العلني الذي وجهه الرئيس مرسي للثورة السورية، أثناء كلمته في الجلسة الافتتاحية لقمة دول عدم الانحياز والتي انعقدت في طهران في أغسطس (آب) 2012، بل والهجوم على حليف إيران بشار الأسد واعتباره فاقدًا للشرعية[4]، فالقضايا المشتركة مع نظام مصر المتمثل في الإخوان كالقضية الفلسطينية ودعم المقاومة أكبر من الاختلاف في وجهات النظر – في ذلك الوقت – حسب ما يراه الطرف الإيراني.[5]

إن الرئيس الذي جاء بعد الثورة اللذين أيدتهما طهران، أُسقِط فيما بعد بانقلاب المؤسسة العسكرية عليه، فانتهى المشهد الديمقراطي المصري، ليأتي موقف طهران عبر الناطق باسم الخارجية الإيرانية عباس عراقي قائلًا: (إن تدخل القوات المسلحة في المشهد السياسي أمر غير مقبول، وإنه لا يجب الإطاحة برئيس منتخب ديمقراطيًا).

لكن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي عَدَلَ عن تصريح مُوَاطِنِهِ الذي أغضب الخارجية المصرية بالقول: إن تصريحات عباس عراقي قد فهمت خطأ وناتج عن سوء فهم من قبل مصر[6].

أهمية مصر بالنسبة لإيران

تُعتَبَرُ القاهرة من العواصم الهامة للساسة في طهران، كونها أكبر الدول العربية، والدولة القائدة للأمة على مدار سنوات طوال، كما أن ذلك لا يتحقق من وجهة النظر الإيرانية، إلا بالتخلص من إرتهان مصر للولايات المتحدة وباستقلال قرارها، حيث تعتبر طهران أن أحد أسباب خلافها مع القاهرة هي الضغوط الأمريكية والاسرائيلية[7]، بالإضافة إلى تحررها من قيود معاهدة السلام مع اسرائيل التي تعتبرها إيران عدوها اللدود، وهو الأمر الذي سيدعم حركات المقاومة الفلسطينية في مقاومتها للاحتلال.

رأت إيران بعد سقوط نظام مبارك ونجاح الثورة المصرية، ضرورة التقارب مع النظام الجديد برئيسه القادم من الإخوان المسلمين، على الرغم من اختلاف الايديولوجيا معهم، فهو ذو أغلبية شعبية، تمنحه القدرة على المناورة في استقلالية قراره واستعادة مكانة مصر، وهو الأمر الذي لا يتوفر لأي مرشح آخر، بسبب عدم توفر حاضنة شعبية للأحزاب الأخرى تؤهلها للمناورة في تعديل مسار القرار السياسي عن مساره السابق إبان حكم الرئيس المخلوع مبارك.

على الرغم من الموقف الإيراني الملتبس في دعم انقلاب السيسي والمناقض لموقفها الأول في دعم ثورة 25 يناير، إلا أن توجه السيسي صوب المملكة العربية السعودية ودعم الأخيرة له سياسيًا واقتصاديًا بعد انقلابه على مخرجات الثورة المصرية بما يقدر بـ 30 مليار دولار بين منح ومساعدات وقروض ميسرة ومساعدات نفطية واستثمارات، يجعل مصر بالنسبة لإيران أكثر أهمية، حيث أن مصر بذلك أصبحت في الطرف المقابل لإيران، خاصة بعد تدهور العلاقات السياسية والقطيعة الدبلوماسية بين الرياض وطهران على إثر اعتداء إيرانيين على السفارة والقنصلية السعودية في مدينة مشهد الإيرانية، ولذا، فإن إيران تعمل جاهدة على استمالة نظام السيسي قدر الإمكان إلى طرفها نكاية في خصمها المملكة العربية السعودية، وخاصة بعد اضطراب العلاقات بين القاهرة والرياض عبر الكثير من الأحداث والمواقف.

لقد كانت الأزمة السورية هي المفتاح لكلا الطرفين لقياس مدى التقارب وتطبيع العلاقات بينهما، فالطريق من القاهرة إلى طهران يمر عبر دمشق، وهو الطريق نفسه الذي يمر من القاهرة إلى موسكو عبر دمشق أيضًا، حيث ظل الموقف الإيراني من هذه المعادلة ثابتًا على خلاف موقف نظام السيسي، الذي أصبح أكثر ميلًا إلى طهران بعد الأزمة السورية، وتأييده لنظام الأسد منه إلى الموقف الخليجي بشكل عام، وبالتحديد موقف المملكة العربية السعودية، الذي تُوِّج مؤخرًا باستقبال القاهرة قبل أكثر من أسبوع لرئيس دائرة الأمن الوطني السوري علي مملوك.

تمثل موقف النظام المصري الحالي والخلاف في التوجهات السياسية مع المملكة العربية السعودية من الأزمتين اليمنية والسورية فرصة لالتقاطه من قبل إيران، ومغازلة الطرفين لبعضهما، وبخاصة في ظل ما تردد عن إرسال النظام المصري أسلحة وزوارق حربية متطورة إلى الحوثيين في اليمن ضد التحالف الإسلامي بقيادة المملكة العربية السعودية[8]، والعمل على تسوية سياسية إلى حد ما، خاصة في ظل ما يعانيه السيسي من أزمات سياسية واقتصادية على المستوى الداخلي.

انتقام من الرياض

ويمكن قراءة سلوك النظام المصري الحالي في تغيير دفة مساره نحو إيران، إلى أنه محاولة منه في الضغط على المملكة العربية السعودية، وكذلك استخدام أمن الخليج والمنطقة كتهديد في حال قطع الدعم السياسي عنه، بعد توجُّه المملكة السعودية والكويت إلى إيقاف إمداداتها البترولية إلى مصر.

تكمن مصلحة إيران – بلا شك – في وجود أنظمة عربية ضعيفة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا من أجل إكمال سيطرتها على المنطقة، وهي نقطة الضعف لدى نظام السيسي بأزماته المختلفة، ولا ترى إيران بأسًا لديها من مد مغريات ومساعدات واتفاقيات تجارية لنظام مصر الحالي، لابقائه قريبًا من الرؤية الإيرانية بخصوص المنطقة وتعقيداتها وبخاصة الأزمة السورية، وهنا، فقد سارعت إيران إلى استثمار ظروف نظام السيسي الاقتصادية البائسة عبر تقديم عروضٍ لمصر لمدها بمنتجات نفطية لشهر أكتوبر الحالي، تعويضًا عن امتناع شركة أرامكو السعودية عن إمداد القاهرة بالمشتقات البترولية، هو ما أُعتُبِرَ عقابًا على تصويت نظام السيسي لصالح النظام السوري في مجلس الأمن وشذوذه عن الإجماع العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، في ظل اصطفافات حادة بين دول المنطقة، وإعطاء الأمريكي ظهره لحلفاء الأمس بعد اتفاقه النووي مع إيران.

وهنا، يبدو حجم الاخفاق الذي وقعت فيه الرياض عبر نظام الحكم السابق كبيرًا، عبر دعم نظام السيسي بعد انقلابه على أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر محمد مرسي، ربما خوفًا من تمدد الاخوان إلى ما هو أبعد من كرسي الرئاسة في مصر وبضغوط دولية واقليمية.

تزايد التعاون الإيراني المصري تمثل مؤخرًا في اشتراط إيران عبر وزير خارجيتها محمد ظريف حضور مصر في محادثات لوزان السويسرية الخاصة بالأزمة السورية، حيث أن السيسي يميل أكثر إلى من يدفع له إنقاذًا من وضعه البائس داخليًا وخارجيًا، وهو ما يرجِّح تغييرًا في الموقف المصري حال اختلاف الرؤية السياسية بين الطرفين، لكن الساسة الإيرانيون لن يضيعوا فرصة ثمينة عبر مَن جاءهم يهرول إليهم طالبًا دعمًا بعد انقطاعه من حليف الأمس.

الخلاصة

  • تقلبات نظام عبد الفتاح السيسي السياسية مخيفة على المشهد المصري، وهي في المنظور القريب والمتوسط لم تشهد استقرارً، حيث أن السياسات المصرية تنحو حيث يوجد الدعم المالي.
  • انتقال العلاقات المصرية الإيرانية من مرحلة القطيعة إلى مرحلة التعاون والتحالف يربك المشهد الإقليمي المعقد في الأساس، وينذر بتشابكات سياسية عميقة تنعكس على أي آفاق للحلول في قضايا المنطقة، ويزيد من نفوذ إيران فيها.
  • يحاول السيسي المناورة قدر الإمكان في كل اتجاه، والتعاون مع من كانوا خصوم الدولة لعقود طويلة، باحثًا عن دعم سياسي واقتصادي، في الوقت نفسه يسعى من خلال تطبيع العلاقات مع طهران إلى الضغط على دول الخليج لمواصلة دعمهم له.
  • محددات سياسات العلاقات المصرية الإيرانية مرتبطة ارتباطًا طرديًا مع وضعهما الداخلي السياسي والاقتصادي، لكن في عهد السيسي أصبحت العلاقات ذات بُعد أمني اقتصادي.

[1]  جمال نصار، تطور العلاقات المصرية-الإيرانية ومآلاتها بعد الاتفاق النووي؛ مركز الجزيرة للدراسات، 13 سبتمبر 2015

[2]  فرح الزمان أبو شعير، محددات الموقف الإيراني من مصر بعد الثورة، مركز الجزيرة للدراسات، 8 يناير 2013

[3]  من كلمة للمرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي في مؤتمر الصحوة الإسلامية في طهران 2011، جمال نصار، تطور العلاقات المصرية-الإيرانية ومآلاتها بعد الاتفاق النووي؛ مركز الجزيرة للدراسات، 13 سبتمبر 2015.

[4]  فرح الزمان أبو شعير، محددات الموقف الإيراني من مصر بعد الثورة، مركز الجزيرة للدراسات، 8 يناير 2013.

[5] قمة عدم الانحياز تبدأ أعمالها بطهران

[6]  انظر موقع اليوم السابع، مستقبل العلاقات الإيرانية المصرية بين ثورتين 25 يناير و 30 يونيو

[7]  انظر المرجع 2

[8]  المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، صراعات النفوذ والغضب المشهد المصري قبل 11 نوفمبر، تقديرات سياسية، 25 أكتوبر 2016

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران, طهران, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد