الفرد العربي في مواجهة أوهام اللاجدوى وحلم المليونير الصغير ومسألة العمل السياسي

قبل سنوات سطع نجم خبراء الموارد والتنمية البشرية والخطباء المحفزون. قبلها ومنذ أواخر الثمانينيات انتشرت كتب تطوير الذات، بدأت بكيف تكسب الأصدقاء مرورًا بالسيطرة على الغضب وليس انتهاء بكيف تصبح مليونيرًا وكيف تتعلم من عادات الناجحين والأثرياء.

كلنا نذكر محاضرات ابراهيم الفقي وغيره من خبراء التنمية البشرية وتطوير الذات، وطبعًا؛ فرضية قانون الجذب وكتاب «السر»؛ احد أشهر الفقاعات التنموية البشرية.

وفي منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، انتشرت في دول المنطقة العربية، مثل الأردن والكويت ومصر وتركيا، ممارسة أخرى، في نفس السياق، مع إضفاء الطابع الديني عليها طبعًا، عرفت بالبرمجة العصبية اللغوية.

بعض هذه الكتب والممارسات لها أسس علمية في الصحة طبعًا، كتلك القائمة على علوم النفس.

لكن ما يجهله الكثير منا هو أن هذه الطروحات ليست مجردة من سياق أيديولوجي وفلسفي وحتى سياسي اقتصادي ما تمتد جذوره عبر مئتي عام ويزيد.

المشروع الفرداني والنيوليبرالية

تكلم الاقتصادي البريطاني آدم سميث في مؤلفاته عن الفردناية بوصفها أساسًا أخلاقيًا للمشروع الرأسمالي، ولم يكن وحيدًا في طرحه. فقد أسس للفردانية فلاسفة غيره، قبله وبعده، من ضمنهم جون لوك وجون ستيوارت ميل، وحتى فريدريك نيتشه. لكن الفيلسوفة الأمريكية الروسية آيان راند كانت لربما من أكثر من عزز الفكرة وشرعنتها الأنانية وحب الذات في السعي من أجل المصلحة الفردية الشخصية فوق كل شيء.

على هذه الفكرة قامت الثقافة الحاملة اليوم للمشروع الرأسمالي المعولم.

في منتصف القرن الثامن عشر، انتصرت التيارات العمالية والاشتراكية في العالم الغربي في ترسيخ استحقاقات عمالية عدة، من بينها ساعات العمل والحدود الدنيا للأجور وغيرها، إضافة إلى الاستحقاقات الاجتماعية في أوروبا تحديدًا، من مجانية تعليم وصحة وشروط العمل، كالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وشرعنة للعمل النقابي.

مع صعود مشروع العولمة والنيوليبرالية في ثمانينيات القرن الماضي، التي عملت عليه رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر إلى جانب الرئيس الأمريكي رونالد ريقان، أصبح هنالك حاجة لتعميم هذه الثقافة على المجتمعات والاقتصادات الناشئة في العالم الجديد.

مع سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار التيارات والأحزاب التي ربطت نفسها بموسكو، ظهر فراغ سياسي وثقافي كبير تزامن مع انحسار المد الاشتراكي في أنحاء العالم الثالث.

سياسيًا، يتضح ذلك في الاستثمار الغربي المتزايد في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات غير الربحية العالمية، كما فعلت في يوغسلافيا سابقًا وتفعل اليوم في العديد من دول العالم العربي.

أما ثقافيًّا، فيتضح ذلك في الكم الهائل من الكتب التي انتشرت تشجع الإنسان على الانسحاب من واقعه والتوقف عن محاولة تغييره والانكفاء إلى الذات وتحسينها وتطويرها والانشغال بالأهداف الشخصية الذاتية فوق كل شيء.

تتماشى، طبعًا، مع هذه الفكرة، كذبة أن المجتمع ليس مدينًا للفرد بشيء؛ كذلك الدولة.

حلم المليونير الصغير

وعليه، انكب صناع الأفلام الهوليودية والكتاب على تصوير وتأليه ميثولوجيا المليونير الصغير الصاعد من الحواري الفقيرة، وكيف يحقق حلمه رغم الصعاب؟ أسطورة المليونير الصغير.

للتأكيد على هذه الأساطير، محليًا، يعمل رواد الإعلام على تضخيم صورة بياع الترمس ذلك الذي انتهى الأمر به ليملك سلسلة مطاعم كبيرة، كما تروى القصة في الأردن، وقد خاطب هذه المسألة الباحث الأردني الشاب محمد فرج في كتابه «الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة».

في خضم هذا كله، يسارع مختصو التنمية البشرية لركوب الموجة، قبل انحسارها.

ليس هنالك شك أن العمل على تطوير المهارات الفردية والشخصية وأن المصلحة الشخصية مهمة في هذا الواقع الدنيء، وأن تحسين مقاربتنا كأفراد لحياتنا اليومية ينعكس إيجابًا على عملنا وعلى نفسيتنا. لكنه بالتأكيد ليس الحل وحده.

بل أن تحسين الذات ينعكس على قدرتكم على التأثير في واقعكم وتغييرها، عوضًا عن الاشتغال في الذات والتخلي عن المجتمع.

لكن في النهاية، هذه الأدوات صممت لقولبة الإنسان بما يتناسب ومتطلبات المكنة الاقتصادية العالمية؛ حتى يكون مسننًا أو مكونًا فعالًا في الآلية الإنتاجية، التي تسيطر على ثرواتها فئة محدودة من المجتمع العالمة. يريدونك أن تنغمس في اللاجدوى.

الفرد في خضم اللاجدوى

النتيجة أن هذه القناعة تدفع بالفرد إلى القبول بظروف عمله وتدني الأجور والتوزيع غير العادل للثروات وواقع مجتمعه وغير ذلك من آفات الاقتصاد المعولم، وترسخ الفكرة أن العالم لن يتغير مهما حاولت. لا بل وتزرع هذه القناعة إيمانا بلاجدوى العمل من أجل التغيير.

يريدونك في أزهى حالاتك لتنتج وتقدم أفضل ما عندك لأصحاب العمل، وإن تتعايش مع واقعك، وتنغمس في مشوار تحسين الذات الذي غالبًا ما يطول كثيرًا، فلا تسعى إلى أي حلول سريعة لإنقاذ الإنسان من هوة الاغتراب.

في المقابل، البعض الناجح فعلا يتناسى أن الحالة النفسية كانت عاملًا مساعدًا على النجاح فقط وأن الحقيقة هي أن مقومات النجاح في عادة تحتكم جزئيًا، على الأقل، إلى عوامل خارجية، مثل الفرصة التنافسية في العمل أو التعليم الذي تلقّاه أو ببساطة صدفة السوق غير المكتفي، ما قد يجعل منه مليونيرًا.

الاستثناءات كذلك؛ فإن لم يكن هنالك طلب على ما يقدمه الفرد من منتج أو خدمة، لن ينجح مهما كانت الفكرة متميزة.

العباقرة هم استثناءات الاستثناءات، وحتى هؤلاء فشل الكثير منهم لولا أن صادفهم الحظ، أو أنهم أصروا على النجاح حتى حالفهم الحظ بذكاء.

الإصرار مهم، مثلًا. لكن علينا أن ندرك أننا لن نصبح أثرياء، كلنا.

من سيعمل من أجل الفتات في ظل رأسمالية مالية عالمية تعتمد على فروقات العملة من أجل الإنتاج والتصدير إذا أصبحنا أثرياء؟

هو كذبة فحسب، هذا الوهم أنك إذا عملت جاهدًا فإنك حتمًا ستجد الرخاء والثراء والأمن والاستقرار.

هنالك اليات اقتصادية وسياسية واجتماعية معدة لنبقى معظمنا ضمن سقوف طبقاتنا، باستثناءات، من ضمنها آليات التعليم والخدمات العامة.

مرة أخرى، أن تكون في حالة نفسية جيدة وأن تنمي قدراتك وتصلح ذاتك أساسي في سياق حياتنا هذه. لكن أن تهمل الواقع وقدرتك على تغييره؟ هنا اللعبة.

القدرة على التغيير

إن كثيرًا منا من ينغلق على حياته وينسحب من مساحة الاحتدام العامة؛ المساحة السياسية الاجتماعية، والعمل السياسي.

لماذا؟ لأنه غير مجدٍ باعتقادهم.

حسنًا، أتسأل نفسك ماذا سيكون الحال لو أنك وغيرك انخرطتم فعلًا في العمل السياسي؟ هل تساءلتم يومًا لو انخرطتم فعلًا في السياسة، ما سيكون أثركم؟!

العمل السياسي مجد، لكن ما يفقده جدواه هو سذاجة المنسحب منه وفاقد الأمل في تغيير الواقع والمنكب كاملًا في ذاته المنصب فيها وعليها دون أي اعتبار للمستقبل ولأخيه الإنسان.

هذا ما يحاولون إقناعكم به؛ الانصياع والانخراط في الشركة العالمية الضخمة هذه لتكون موظف الشهر، لعلك تحصل على ترقية، بينما ترتع انت في الديون وتقارع الصعوبات لوحدك وتقضي لياليك في التفكير الإيجابي وممارسة «السر».

العمل النقابي السياسي أساسي، والانخراط في العمل الحزبي مهم، ولوي أذرعة القطاع الخاص والدولة التي تشجعه هو السبيل إلى تغيير الواقع، إلى جانب العمل العام، كالتظاهر والاندماج في المجتمع.

مقاربة «الهم نفسي» هي أحد أهم أسباب لا جدوى العمل السياسي.

أنتم من تفقدون الأحزاب والعمل السياسي ثقلها. ومن أسباب نجاح القوى الإسلامية لسنوات عديدة هو قناعتهم أن العمل العام «فرض عين».

لا تريدون إرهاب الإسلاميين، ولا تريدون العيشة الضنكة التي أعدها لكم الرأسماليون، لكنكم تصرون على الانصياع لثقافتهم، ومن ثم تقولون إن العمل السياسي غير مجد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد