إن كان الصراع الأيديولوجي هو الصيغة الأخرى للصراعات الطبقية، فسينسحب الأمر بطبيعة الحال إلى المنظومة القيمية، التي ستحمل وجهًا يمثل المصالح الشعبية العريضة، ووجهًا آخر مظلمًا يكاد لا يخدم إلا قلة، وهو الجانب الذي ستركز عليه المقالة، ناهيك عن النظم والقوانين الدستورية والانتخابية، التي تصوغها الطبقة الحاكمة؛ لتكريس وجودها وهيمنتها على مفاصل السلطة، ولتعمل على سد جميع الثغرات المحتملة لتسرب قوى طبقية جديدة إلى سدة الحكم.

ويزداد الأمر شراسة في المراحل المتقدمة للرأسمالية العابرة للقوميات التي تعطي المراكز الرأسمالية مشروعية؛ لتغطي بظلالها على أنظمة الدول الأخرى لحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وهو ما ستعرضه سلسلة من المقالات البحثية اللاحقة.

الوجه الديمقراطي للهيمنة

فقد جاء في مذكرة «جورج كينان George F. Kennan) »1904-2005) المرقمة بـ23 لعام 1948 في تخطيط السياسة الخارجية الأمريكية «عندنا حوالي 50% من ثروات العالم وفقط 6.3% من سكان العالم، وبمثل هذا الوضع لا يمكننا تجنب حسد واستياء الآخرين، مهمتنا في الفترة القادمة هي ترتيب نموذج للعلاقات، يحافظ على استمرار هذا التفاوت؛ ولتحقيق ذلك ينبغي علينا التخلي عن الأحلام والعواطف، وتركيز اهتمامنا على الأهداف القومية، ويجب أن نمسك عن كلامنا المبهم للآخرين، والأهداف غير الحقيقية مثل حقوق الإنسان، ورفع مستوى المعيشة، والتحول الديمقراطي[1]

كما كانت إيطاليا أحد أهم مسارح النشاط الاستخباراتي الأمريكي، فيما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنه رغم الإجراءات الاحتياطية «لم يكن هناك ما يضمن هزيمة الشيوعيين» على حد تعبير «تشومسكي». فقد حددت مذكرة الأمن القومي الأولى لعام 1948 (NSC1) عدة إجراءات في حال فوز الشيوعيين بالانتخابات تضمنت التدخل العسكري لمساعدة الحركات العسكرية السرية في إيطاليا.

بيد أن الشيوعيين الأوروبيين خرجوا بأقوى حالة لهم على مر تاريخهم، وباتت قوتهم تشكل تهديدًا فعليًّا بنسف الحكومات الليبرالية فيما بعد الحرب العالمية الثانية، حتى أن رئيس وزراء فرنسا الاشتراكي آنذاك هرع إلى واشنطن، ليحذرها من أنه سيستسلم للشيوعيين، إن لم يتلق دعمًا من الولايات المتحدة[2].

من هنا سارعت الولايات المتحدة ببسط سيطرتها على دولتين عدوتين لها تاريخيًا، وهما اليابان وإيطاليا؛ فأنشأت نظامًا سياسيًّا لكلا البلدين يماثل نظام الحزب الواحد؛ وهما الحزب الليبرالي الديمقراطي سنه 1955 في اليابان، والحزب الديمقراطي المسيحي في إيطاليا؛ وبالتالي خلق نظام سياسي جديد للدول المهزومة فعليًّا، يعتمد على الحزب الواحد، غارق في البيروقراطية ذي طبيعة فاسدة أدهشت الإيطاليين أنفسهم، ونظام انتخابي شكلي، يكفينا مغبة دراسة نظمها الانتخابية، ومن الطبيعي أن تنهار تلك الحكومات مع معارضتها الشيوعية مع نهاية الحرب الباردة إثر اختلال التوازن الدولي، الذي قام على أساس معسكرين أحدهما اشتراكي سوفيتي، والآخر ليبرالي أمريكي.

أما في أوروبا الغربية فقد مورست سياسات مختلفة لإبعاد شبح الشيوعية عن حكومات ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان أقلها الحظر والتدخل العسكري السري أو العلني، كما مر الإشارة له في مذكرة «كينان».

وتبين أن الحكومات الأوروبية لم تكن قادرة على مواجهة الشيوعية؛ فكان مشروع «مارشال» في يونيو (حزيران) عام 1947 الذي يحمل صفة منح مالية أكثر منه قروض في إطار خطة أمريكية ضخمة للسيطرة على أوروبا.

وبما أنها لم تتسم بالواقعية، وفشلت في كثير من جوانبها، استكمل المشروع بإنشاء حلف شمال الأطلسي 1949، ثم السوق الأوروبية المشتركة 1957؛ وبالتالي ضمنت الطبقات المسيطرة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية هيمنتها على مفاصل الحكم، واستمرارها حتى بعد نهاية الحرب الباردة.

الوجه التنموي للهيمنة

أضف إلى ذلك وفي سياق مشروع «مارشال» أسس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي كانت مهمته تمويل عمليات التنمية في أوروبا بناء على مقررات مؤتمر «بريتون وودز» الذي حدد سعر الدولار مقابل الذهب بـ35 دولارًا مقابل الأونصة، والترابط واضح بين «التماثل الذهبي للدولار، وعمليات التنمية، والبنك والصندوق الدوليين» الثالوث الذي سيخرقه «ريتشارد نكسون» 1971 بفك الارتباط بين الدولار والذهب، وتعويم العملة العالمية، الذي أحال مؤسسات التمويل الدولية من عامل يساعد على التنمية إلى كيان تسلطي، وقطع أي أمل للأحزاب السياسية اليسارية بأي عمليات إصلاح في الدول المتضررة من الرأسمالية.

وصول حزب «سيريزا» في اليونان لم يكن يعني أمرًا جللًا بالنسبة للمراكز الرأسمالية، فقد كان مرور حكومة يمينية ليبرالية واحدة كفيلًا بتوقيع عقود المديونية لصندوق النقد الدولي، الذي سيشل أي عملية إصلاحية لأي تيار سياسي في المستقبل، بعد أن بات محكومًا بالمؤسسات المالية العالمية تحت الحماية الدولية، ولا سيما أن تعويم الدولار الذي أحال شرائح الديون إلى مجرد أوراق عينية، أو إلكترونية، وأموال وهمية، تعمل على تخدير الأزمة الاقتصادية وليس حله، بمعنى أن الاستدانة من البنك الدولي أشبه بإعطاء مدمن الهيروين جرعة أخرى فيهدأ المريض بما يضمن استمرارية الإدمان.

ومن ناحية أخرى فالنظم الانتخابية فيما يسمى بالعالم المتقدم معقدة للغاية، ومصممة بطريقة لا تسمح للأحزاب الوليدة بخوض الانتخابات، وكان قد اعترف أكثر من 50% من الألمان أنهم لم يفهموا النظام الانتخابي في بلادهم، فيما يبدو النظام الانتخابي الأمريكي معقدًا للغاية، ويحتوي الكثير من الفجوات غير المفهومة حتى يستعصي على المتخصصين الإحاطة بتفاصيل العملية السياسية الأمريكية؛ وهو ما يفسر ثنائية الأحزاب المتنافسة بشكل لا يسمح لأي طرف ثالث بالتواجد أصلًا.

الثورة الرقمية بوصفها هيمنة

إلى جانب ذلك كله شكّل التقدم التقني والمعلوماتي ثورة هائلة في عالم السياسة، ومثلت مدخلًا مهًما في تعزيز الحريات العامة، بيد أن شركات كبرى باتت تتخصص في تقديم وتحليل المعلومات الإلكترونية للمرشحين، وبطبيعة الحال فإن التعاقد مع شركة »كامبريدج أناليتيكا»«Cambridge Analytica» غير متوفرة لأي تيار سياسي، ما لم يكن مدعومًا من الطبقات الغنية، وممولًا من كبرى الشركات، الشركة التي ساهمت في توفير بيانات عن الميولات الشعبية لكلا الحزبين المتنافسين في الهند «حزب المؤتمر الهندي، وبهاتيا جاناتا»؛ حيث مكنت الشركة هذا الأخير من البيانات اللازمة، حول ذائقة الشعب الهندي في مختلف مناطقه؛ مما لعب دورًا حاسمًا في اعتلاء الحزب سدة الحكم 2014.

كما استطاعت تلميع صورة الرئيس الكيني «أوهور كينياتا Uhuru Kenyatta» حتى تغلب على منافسيه 2017، وفي المكسيك وصولًا إلى الولايات المتحدة إالى شغل «ستيف بانون» «Stephen Kevin Bannon» منصب نائب رئيس الشركة منذ تأسيسها، ثم مدير حملة «دونالد ترامب» الانتخابية، ومن ثم كبير مستشاري البيت الأبيض، بعد فوز هذا الأخير حتى عزله في الثامن عشر من يناير (كانون الثاني) لعام 2017.

ويمتد تأثير الشركات الترويجية لتمرير قرارات عدوانية استعمارية لدولة لصالح الطبقات الغنية الطامحة في السلطة؛ ففي سوريا مثلًا كادت منظمة القبعات البيضاء أن تتسبب باحتلال أمريكي لسوريا، وبالعودة لتاريخ المنظمة نجدها فكرة عميل الاستخبارات العسكرية البريطانية السابق «جيمس لو ميزوريي» وتلقفها رجال الأعمال السوريين في صفوف المعارضة اليمينية؛ لوضعها في خدمة مصالحهم عبر شركة «بربوز»، تمتلك شركة أخرى باسم «الدعايا السورية»، والتي تعاقد معها الملياردير البريطاني ذو الأصول السورية «أيمن الأصفري»؛ من أجل الترويج لأصحاب الخوذ البيضاء في الغرب، وقد نجحت حملة التعريف بهم، والدعايا لهم، وهو ما أدى في النهاية، إلى إنتاج فيلم وثائقي عنهم[3]، بل وترشحهم لنيل جائزة نوبل للسلام باعتبارها جزءًا من الحملة الدعائية، وفرض المصداقية الدعائية قبل إحداث جلبة التدخل العسكري الأمريكي، وشركات من نفس الشاكلة أيضًا كانت قد روجت للأسد الابن في الغرب، وسوقته عبر الرئيس الفرنسي «نيكولا سركوزي» للغرب والعالم على أنه راعي التحديث والليبرالية؛ وبذلك سهلت عبوره إلى السلطة بوصفة أول وآخر محاولة ناجحة في توريث السلطة في الجمهوريات العربية، وتحويلها إلى «جمهوريات ملكية»، بينما فشل في ذلك «القذافي ومبارك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] نعوم تشومسكي، ماذا يريد العم سام، عادل المعلم ط1(القاهرة، دار الشرق، 1998) ص17.
[2] ايريك هوبزباوم، عصر التطرفات، فايز الصباغ، ط1(بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2011) ص 414.
عرض التعليقات
تحميل المزيد