مدينة الموصل ثاني اكبر المدن العراقية يسكنها حوالي أربعة ملايين نسمة معظمهم من العرب السنة هذه المدينة التي سيطرت عليها عصابات (داعش) الإجرامية لمدة ثلاث سنوات، ثم خاضت حربًا ضروس من أجل تطهيرها من هذه العصابات، وبعد أن خرجت من دوامة الحرب، واستفاقت من هول ما جرى فيها، وجدت نفسها محطمة بالكامل فاقدة لأغلب بناها التحتية مع آلاف من القتلى والجرحى، وآلاف من الأيتام والأرامل ومئات الألوف من النازحين في المخيمات أو المدن العراقية الأخرى أو في دول الجوار.

ولكنها مع ذلك بدأت بلملمة جرحها وصارت تحاول النهوض من جديد لتستعيد مجدًا مفقودًا، ومكانة تستحقها إلا أنها تصدم يومًا بعد يوم بأمور عجيبة وغريبة تحدث فيها، وهنا علينا أن نكون واضحين في الحديث عن مدينة الموصل ونبتعد عن المجاملات ونشخص الداء لعلنا نجد الدواء وأن كنت أشك في ذلك لأني أجد أن هناك أيادي خفية، تريد أن تظل الموصل مريضة، وينظر إليها الكثيرين على أنها مجرد غنيمة حرب، وكل ما فيها هو غنائم حرب، ويتم التعامل معها على أساس المثل الشعبي العراقي (الشاطر إلى يعبي بالسكلة ركي)، ما يعني التطبيق الأبشع للنظرية الميكافيلية، فالوصول إلى الهدف هو الأهم بصرف النظر عن الوسيلة حتى وإن كانت لا أخلاقية أو لا قانونية.

لذا تجد القوى المسيطرة على المدينة تتصارع من أجل الحصول على جزء من الغنيمة، وبعض القوى تبتكر طرقًا جديدة من أجل أن تحصل على ما تعتقد أنه حقها من الغنيمة، ونجد أن البعض يحاول أن يغطي الغنيمة بغطاء قانوني مساطحة، مصادرة، استثمار، وغيرها من السرقات التي يحاولون جعلها بأطر قانونية، ومن الممكن جدًا أن يتحول اللامعقول في نينوى إلى وضع طبيعي جدًا تجد من يبرره أو يدافع عنه، فمن الممكن جدًا أن يغلق شارع ويتحول إلى كراج (مرأب) للسيارات أو قطعة أرض في مكان مميز تباع بثمن بخس، ومن الممكن جدًا أن تتحول أرض تابعة للآثار إلى محلات لبيع الملابس المستعملة أو أن تتحول أراض في مواقع سياحية إلى مجرد أكشاك لبيع المشروبات الكحولية.

والغريب والعجيب بالأمر أن المرفوض في محافظات عراقية أخرى يعد مطلبًا أساسيًا في محافظة نينوى المعروفة بخصوصيتها له من يدافع عنه بقوة، وكأن كل مشاكل المحافظة تكمن في افتتاح محلات للمشروبات الكحولية ما أقصده أنه حتى الاستثمارات في محافظة نينوى هي فقط لملء جيوب بعض الفاسدين، وبدون أي جدوى اقتصادية تعود بالفائدة للمحافظة التي أنهكتها الحرب ودمرت جميع بنيتها التحتية فما الجدوى الاقتصادية من مساطحة تتحول إلى محال تجارية عليك أن تدفع 30 أو 40 ألف دولار زائد إيجار بالملايين للحصول عليه، ما الفائدة التي ستجنيها المدينة أو أبناء المدينة من محلات ستكون مجرد مكان لتصريف البضائع المستوردة والجميع يعلم أن تلك المحلات لن تكون إلا فرصة للأثرياء ليكون لهم فرع ثالث ورابع لتصريف بضائع دول الجوار.

طبعًا هناك العشرات من الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بصورة قانونية أو غير قانونية كان من المكن أن تكون مشاريع صناعية أو سياحية إلا أنها تحولت إلى مجرد محلات بيعت بأرقام خيالية جعلت المستثمر يستعيد أمواله التي دفعها من أجل الحصول على المساطحة منذ السنة الأولى، وسيظل يجني أرباحًا من الإيجارات لمدة 25 عامًا قادمة، وهي مدة العقد المجحف بحق المدينة.

وعلى الرغم من أن الموضوع غاية في الخطورة، إلا أن الأخطر هو انعدام التنظيم، فإنشاء المحلات يكون بصورة لا تتلاءم مع تاريخ المدينة، ولا شكلها الحضاري الذي اشتهرت به، ولكن يبدو أن هذه المدينة المتحضرة يراد لها ولأحيائها ومناطقها السياحية، وحتى ثراواتها أن تكون مجرد عشوائيات على غرار ما نشاهده في الأفلام العربية تحكم هذه العشوائيات عصابات مسلحة تجمع الإتاوات، وتفرض قانونها الخاص بعيدًا عن سلطة القانون ورقابه الحكومة، وتكون علاقة هذه العصابات بالحكومة مجرد رقم يدفع للمسؤول الأمني لهذه العشوائية، أو تلك لغض البصر والسكوت عن كل الجرائم التي تحدث داخل تلك العشوائيات لن نقبل بأن تتحول تتحول الموصل المتحضرة إلى عشوائيات، فما كانت الموصل، لو لا أنها تعشق النظام والانضباط وتتبع القانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد