كلنا نعلم قصة الرجل الذي جاء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يشكو عقوق ابنه فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه ويحسن اسمه ويعلّمه الكتاب أي «القرآن». قال الولد: يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجيّة كانت لمجوس، وقد سمّاني جُعْلًا أي «خنفساء» ولم يعلّمني من الكتاب حرفًا واحدًا. فالتفت عمر رضي الله عنه إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

من هذا الحديث نكتشف بعضًا من الحالات التي يظلم فيها الآباء أبناءهم، الأمر يمتد إلى أكثر من هذا.

يقول أحدهم إن الأطفال مفكرون وفلاسفة بالفطرة، يسألون عن كل شيء وفي كل شيء، حتى إذا ما أكثروا علينا السؤال قتلنا فيهم روح التفكر وقتلنا فيهم تلك الدهشة المستفزة للعقل. أذكر يومًا أني وأنا صغير سألت أمي أين الله؟ فأجابت فوق سابع سماء فأردفت قائلًا وماذا يفعل؟ وهل له يدان مثلنا؟ فأجابت غاضبة لا تسأل عن أشياء كهذه، أسئلة في غاية الأهمية يطرحها معظم الأطفال، لكن جهل آبائنا يحول دون وصولهم إلى الحقيقة التي يريدون.

ومن بين أهم الحالات التي يظلم فيها الآباء أبناءهم نذكر:

-تخويفنا من الاستقلال الفكري: إذ لا يجعلوننا ندافع عن الحق ويريدوننا خرافًا نتبعهم أينما ذهبوا، فلا نبني مفاهيمنا الخاصة بل نسير على خطاهم لنكون نسخة كربونية منهم.

-توجيههم لاهتمامنا نحو مظهرنا فقط، حتى يستسيغه الناس ولا يهتمون بمواهبنا، المهم هو رأي الناس عنا، فلان أبناؤه متميزون، وناجحون، ومطيعون.

-أنانيتهم الزائدة بحيث يزعمون أنهم يحبوننا، وأن ما يفعلونه يكون لمصلحتنا، وأنهم يحاولون فهمنا وهم لا يفهموننا بالمرة، وزعمهم الزائف هذا هو من يقتل فينا روح المشاركة، مشاركتنا لهم أفكارنا، وخيالنا، وأهدافنا.

-قتلهم للشخصية المعمقة والمكتملة والتي لها تجاربها ووجهتها ولها أخطاؤها ومحاسنها وثقلها في الحياة. لأنهم ببساطة يريدون استحسان الناس لهم برؤية المستوى الدراسي والثقافي والسلوكي لنا.

-لا يأخذون بآراءنا، بل هم يجيدون التمثيل وسماع آرآئنا دون الأخذ بها، كما انهم يعاملوننا كالأطفال إلى أن يتوفاهم الله، ولا يحملوننا أي مسؤولية من شأنها صقل مواهبنا وعبقرياتنا وأخلاقنا وإنسانيتنا، إذن نحن فقط وسيلة لإشباع أنانيتهم الزائدة.

-خوفهم الزائد عن اللزوم: يخافون علينا من كل شيء من الأصدقاء ومن الشارع ومن الخطأ ومن الصواب ومن المغامرة.

حتى إذا كبرنا كبرت مخاوفنا معنا، حتى أصبحنا نخجل من الكلام ومن المبادرة ومن التضامن وحتى من التطوع في الخير، لقد أفقدونا عمق الحياة وعمق التجربة وعمق الذاتية بزعمهم الاستقامة في كل مرة.

يبقى الآباء تاجًا فوق رؤوسنا، وجوهر حياتنا، ومكانتهم تبقى عظيمة في حياتنا، لأنهم أقرب قدواتنا وأسوتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد