بقدر عَظَمة وإنسانية الموضوع الذي يناقشه العمل الفني الإبداعي – أي عمل فني مهما كان مجاله: روايةً، أو قصةً، أو كتابًا، أو لوحةًً، أو فيلمًا – يُكتَبُ له الانتشار والخلود!

ومن أكثر الأفلام السينمائية المصرية تطبيقًا لهذه القاعدة الذهبية فيلم «البريء»! تأليف وسيناريو: وحيد حامد، وإخراج: عاطف الطيب، وبطولة: أحمد زكي ومحمود عبد العزيز.

فبالرغم من أنه أُنتج عام 1986، إلا أنه يحكي الواقع الحالي، وكأنه أُنتج قبل سنة أو سنتَين على أبعد تقدير! ورغم كونه يتحدث عن مصر تحديدًا، إلا أن الأيام والأحداث الأخيرة كشفت أنه يحاكي واقعًا مشابهًا في كثيرٍ من الدول العربية كسوريا، تونس، ليبيا، اليمن، العراق… إلخ.

قصة الفيلم

تظهر أفكار الفيلم الحقيقية من خلال تتبع شخصيّتَين رئيستَين فيه:

 الأولى: شخصية الشاب القروي البسيط أحمد سبع الليل (أحمد زكي)، الساذج الأمّي الجاهل بشؤون السياسة من حوله، الطيب الشَّهم، والذي لا يعرف من دنياه إلا رعاية أمه وأخيه المُعاق، وفِلاحة أرضه الصغيرة ورعاية الماشية في الحظيرة!

 ثم فجأة يُطلَب للتجنيد فيُؤخَذُ من أمه وأخيه رغم أنه المعيل الوحيد لهم، ويضطر لترك أرضه الصغيرة ومواشيه للمجهول لا يعتني بها أحد! ولكن يشجعه جاره ابن قريته، الشاب الجامعي المثقف الواعي ويشرح له عَظَمة العمل في الجيش وأنه سيتعلم فيه الرجولة وأنه سيغدو فيه بطلًا يحمي الوطن من غزو جيوش المحتَلّين!

ويدخل الجيش، ويتميز فيه بأفضل درجات الانضباط وإطاعة الأوامر العسكرية فورًا ودون نقاش، وكذا بقدرات لياقة جسدية عسكرية كبيرة، ولكن – وبعد فترة تدريب طويلة بعيدًا عن القرية والأهل – لا يتم إرساله ليخدم على الحدود ويحمي الوطن – كما كان يَفترض – بل يُرسَل لحراسة المعتقلات! تحديدًا معتقلات المثقفين وخيرة شباب مصر المعتقَلين لقضايا سياسية!

ويتمّ استغلال جهله وزملائه وأميّتهم ليتمّ شحنهم بالكراهية ضدّ هؤلاء المعتقلين الكَفَرة وأعداء الوطن وأشرار الحياة وسبب كل مصيبة حلّت أو ستحلّ بالبلد كما قيل له عنهم!

فكيف ستصير الأحداث داخل السجن؟ وكيف سيتصرف أحمد سبع الليل مع هذه الأحداث؟ هل سيستمر في جَهله أم ستتفتح عيون وَعيه فيفرق بين الحق والباطل؟ سيقف مع وؤسائه الضباط أم مع المساجين؟

ويكمن إبداع الفيلم هنا في تسليط الضوء على هذه الفئة من الناس، أعني جُند الظلم وأعوانه وأدواته! إذ يتعمد الجلّاد أن يختار الجَهَلة ليكونوا سِياطَهُ التي يضرب بها الناس دون أن يفكروا ودون أن يناقشوه أو يعارضوه!

ويستغل البسطاءَ والفقراء ليؤلّبَهم على أبناء بلدهم المثقفين الواعين المخلصين الطامحين لرفعته والمعارضين لظلمه، فيملأ عقولَهم بأكاذيبَ عنهم ويملأ صدورَهم بكراهيتهم وعداوتهم والحقد عليهم وإستساغة إبادتهم والخَلاص منهم أيضًا إن لزم الأمر على اعتبار أنهم الأعداء! (أثر الإعلام الذي يقف مع الظلم ويشوه صورة أهل الحق أمام العامة والبسطاء).

والشخصية الثانية – والتي تظهر في ما بعد أكثر من ثلث الفيلم تقريبًا، لكنها أساسية فيه – شخصية رئيس المعتقل الضابط توفيق شركس (محمود عبد العزيز ) وهنا يركز الفيلم على إظهار التناقضات التي تعتري شخصية الضابط، فيبين لنا أنه يعيش حياتَه بشخصيّتَيْن متناقضتَيْن!

فيقدمه لنا في البداية بصورة جميلة: أبٌ حنون على بنته الصغيرة، ورجلٌ مرحٌ يسعى لإسعاد الأطفال في حفلة عيد ميلاد أحدهم بتقليد المهرج وألعاب الخِفة، وفي نفس الوقت رجلٌ هادئٌ متواضع يناقش شرطيَّ المرور بلطف حين يخالف سيارته المدنية – وهو لا يعلم أنه ضابط كبير في الجيش – ويقبل مخالفته بهدوء كأيّ مواطن دون تقديم نفسه ومهنته للشرطي.

ثم فجأة يُظهر الفيلم الوجه الآخر لهذا الضابط! فهو في عمله – رئيس لواحد من أعتى السجون والمعتقلات في مصر – يكون الضابط الشرس القاسي المتعجرف، والذي لا يتورع عن تعذيب المساجين السياسيين بشتى الطرق، بل قام بسَحل أحدهم بنفسه في ساحة السجن لمجرد أنه رد عليه الكلام وغاظَه! ويأخذ حتى بالشبهة كما في المسجون الذي اعتقله فقط؛ لأنه مرّ في الشارع أثناء مظاهرَة للمعارَضة! ولا يتورّع عن قتل أي سجينٍ يحاول الفرار، ودفن جثته في الصحراء، وتزوير خبر مصرعه ليصبح مجرد انتحار من السجين!

ثم هو ضابطٌ ماكر، يخدع وفد منظمات حقوق الإنسان ووفود الإعلام حين تأتي لزيارة المعتقل والإطلاع على أوضاعه، فيجهز كل شيء لزيارتهم، ويهدد المساجين إن تحدثوا بالحقيقة، ويوهم هؤلاء الزوّار أن السجن كفندق خمس نجوم، وأن السجين فيه كالضيف، له كل الاهتمام والرعاية، تُفتح له المكتبة والعيادة الطبية في كل وقت، ويُطهى له أشهى الطعام، ويُسمح له بالبقاء واللعب في الساحات، ويجلس في غرفٍ فائقة الجَمال والنظافة! وما أن تغادر هذه المنظمات وكاميرات الإعلام مبنى السجن – وهي مسرورةٌ مطمئنةٌ لمستوى الرعاية والرفاهية التي ينالها المساجين – حتى يعود الضابط لأصل قسوته وظلمه ويعيد كل شيء لما كان عليه قبل تمثيلية الزيارة! (وهذا المشهد من الفيلم بالذات أعاد الناشطون في مواقع التواصل نشره بكثرة في الأعوام القليلة الماضية مقارنين ومتندرين ومتحسرين، لأنه انطبق تمامًا – بكل تفاصيله الدقيقة – على ما حدث حين زارت وفود الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان بعض سجون مصر عام 2015 !!

ألم أقل لكم بداية المقال إن فيلم البريء خالدٌ وصالحٌ وعابرٌ لكل زمان رغم أنه انتاج فترة الثمانينات!

ويكون الفلم بهذا قد أبدع في تسليط الضوء على هذه الفئة من الناس، أعني الجلّاد والظالم وإظهار صفاته، وتناقضات شخصيته، ودواخل نفسه!

تكمن أهمية وقوة الفيلم في جرأة المواضيع التي يطرحها على طاولة النقاش: أسس اختيار المجندين في الجيش خاصة من سيخدمون في وحدات حراسة أو تعذيب المعتقلين، مبدأ الطاعة التامة للأوامر العسكرية وإن كانت خطأ، فساد وقسوة بعض ضباط الجيش، تحول كثير من الجيوش العربية من مهمتها الأساسية في حماية الوطن لمهمة تعذيب أبناء الوطن وحماية حكم الأنظمة، التعذيب داخل السجون (مع أن الفيلم لم يعرض مشاهد تعذيب قوية أو قاسية لكنه ألمح لها بشكل كبير)، قتل المساجين ودفنهم في الصحراء وتزوير وقائع موتهم، تزييف الحقائق أمام الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، إهدار كرامة الإنسان، الحريات العامة وحرية الرأي، أهمية يقَظَة مُجنّدي الجيش من غَيبوبة دعاية الجلّاد الكاذبة… إلخ.

يتميز الفيلم بأغانٍ جميلة ذات كلمات معبرة جدًا، من كلمات الشاعر الأبنودي، وتلحين عمار الشريعي.

لا يمكنني إنهاء مقالتي دون الحديث عن نهاية الفيلم! فنهاية هذا الفيلم ذات أبعاد أمنية خطيرة، وأحدثت جدلًا كبيرًا، وبسببها كاد الفيلم يمنع من العَرض! (الفيلم كله صارت عليه إشكاليات أمنية وقت إنتاجه، لكن كله يهون إلا مشهد النهاية).

 ولأجل أن يتم عرضه، قاموا بحذف المشهد الأخير – وأيضًا بعض المشاهد الأخرى في ثنايا الفيلم – ولم يتم عرض النهاية الكاملة لأول مرة إلا بعد عام 2005 أي بعد 18سنة من إنتاجه! وبالتالي الآن في «يوتيوب» يُعرَض الفيلم بنهايتَيْن: واحدة أصلية كاملة، والثانية بعد الحذف، والفرق بينهما في الزمن خمس دقائق، وفي المضمون الشيء الكثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد