لا شيء يبدع به المواطن العربي أكثر من الحُكم على الآخرين، ما أنْ يُعارضنا أحدهم، حتى ننبري في تكفيره وسَحب مفاتيح الجنة منه، هذا لأننا وكلاء الله على الأرض، وما أكثر وكلاء الله، الذين يظنون أنّ الله خلقهم منزهين عن الخطأ مُباركة خطواتهم، لا يخطئون ولا يجهلون!

حين مات جارُنا الذي كان لا يصلي في المَسجد، اختلف النّاس حوله، قال بعضهم: كافر لا نريد أن نصلي عليه في المسجد، وقال آخرون: كان يعمل في مقهى ليلي وبنى غيرهم على ذلك فقالوا: إذن رُبما كان يحتسي الخمر، فلا نذهب للعزاء.

وحين ماتت صديقتي غير المُحجبة، سألني أحدهم لماذا تحزنين عليها، لقد ماتت كافرة! وعندما قرأت خبرًا على مواقع التواصل عن موت  فنان في منطقة ما، رأيت كمية الاختلاف والتي صاحبها الكثير من الشتائم والسباب لمن ترحم على موته.

والسؤال الوحيد الذي يدور برأسي، في كل حالة مشابهة، منذ متى ولله وكلاء على الأرض، يمنحون صكوك الغفران للبعض، ويمنعونها عن البَعض الآخر، وكأننا في العصور الوسطى «عصور الظلام» حين كانت الكنيسة تحكم أتباعها، بتخويفهم من التّحكم بمصيرهم، من وافقها منحته صكوك الغفران، وإن طغى وتجبر، ومن خالفها منعته وإن لم يفعل شيئًا.

كمية الأحكام  المرافقة لنظرتنا للآخر، تُرينا حجم الاختلاف والتخالف وعدم قُدتنا على تقبل الغير، وأنّ مقولة «الاختلاف لا يُفسد للود قضية» مُجرد كلام على ورق، لا واقع له بيننا. لأنّه حتى الذي ينتقل للعالم الآخر، لا يسلم من أحكامنا، وسكاكين ألسنتنا، التي إن لم تكن تجرح من مات، فقد تجرح من بعده من أقربائه وأحبائه.

متى نتوقف عن الحكم على الآخرين؟! وندع الخَلق للخالق، وندرك أنْ توزيع الجنة والنّار على الآخرين، هو خاص بالله سبحانه وتعالى، وأنّ الدّخول في حكم الله هو تألٍّ عليه عز وجل، إذ ورد في صحيح مسلم وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث أن رجلًا قال: «والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك».

وإذا أمعنا النّظر بالأثر السّابق، وما وردنا من قصص ذُكرت، وَجدنا أنّ عابد بني إسرائيل الذي قضى 40 عامًا عبادة، قد دخل النّار، بينما دخلت امرأة بغي الجنة. فالأول عاند ربه، وجزم أنّه سيدخل الجنة بعمله، والثانية روت كلبًا كان شديد العطش.

فنحن لا ندري ما الذي سيدخلنا الجنة، وما الذي سيحرمنا دخولها، والأولى بالمرء أن ينشغل بنفسه، تاركًا سوء الظنون خلفه، فمهما منحت من صكوك غفران أو منعتها، فلن تنال إلا إثم ظنونك لأنّك أشركت الحكم مع الله.

ولا أفضل من أنْ يترك المرء أمر غيره لله، بعيدًا عن الحكم عليه، فأنت لم تُخلق على هذه الأرض لكي تحكم على الغير، أو تكون وكيلًا لله عليها، أنت مخلوق كأي مخلوق، لك ما لك وعليك ما عليك. فانشغل بنفسك ويكفيك عبرة ما قاله الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف «سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22)».

فكأن الآيات تخاطب الكثير في مجتمعنا، وهي توجههم التوجيه الصحيح، بعد الخوض في القيل والقال، لأن يكفوا عن الحديث الذي لا فائدة منه، وأنّهم يتحدثون بحديث لا يُحمل إلا على الظن، فاليقين فيه في علم الغيب، وهذا إرشاد وتوجيه لأولئك الذين أمعنوا في إعطاء الآخرين صكوك الغفران أو منعوها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد