المعرفة شرط من شروط الحياة لدى الإنسان، وحق من حقوقه المتفق عليها مثل الأكل والزواج، وبتزايد التحصيل المعرفي لدى الشخص، يزداد تميزه واستيعابه العميق للأحداث والوقائع، على الأقل، وتربي المعارف في صاحبها خلقًا كثيرة، أبرزها التواضع، ومن أنواع التواضع، التواضع المعرفي.

أتذكر بوضوح استعمال أحد أساتذتي، الذي درسنا مادة الفلسفة، لضمير الجمع في المتكلمين والمتكلمات، فعوضًا عن أن يقول أرى، يقول نرى، وهكذا، وكان مبرره في هذا «أنه من جانب التواضع العلمي، الحديث بلسان الجمع»، وبالرغم من اختلافي آنذاك مع معظم تفكيره، إلا أنني أعجبت بهذا الخلق، فمن أنا لأقول أنا، ومهما بلغت معارفي، فقد كنت جاهلًا وما زلت.

ومن مظاهر الغرور المعرفي، تجهيل الآخرين باستمرار؛ لعله تبادر إلى ذهنك عدة أشخاص، يتسمون بهذه الخصلة الدنيئة، فما أن تسلمه أذنيك حتى يتقمص دوره الأفلاطوني، ويبدأ في معالجة الواقع المر، مرتئيًا ومستنتجًا أن فكره فقط، هو الكفيل بالنجاة.

فكما نجده عند العوام، نجده عند الخاصة، بل حتى عند خاصة الخاصة، من المثقفين والمفكرين والفلاسفة والفقهاء الذين أثروا مكاتبنا بمعارف وتأملات وعلوم يعود لهم الفضل فيها، غير أنها لا تخلو من بعض الغرور والتعصب للرأي وتخطئ الآخر، وازدرائه، ونعثه وتشييئه، أي ترك الفكرة والطعن في المفكر، وإثبات فكرة الأنا على حساب فكر الآخر.

وللأسف الشديد ففي الآونة الأخيرة، أطلق العنان لبعض الصراصير والأبواق في الإعلام، الذين يشهد لهم بهذا الغرور المعرفي، فقد تميزوا في تشويه الآخر، من خلال إنكار موروثه مهما كان شكله، من خلال تقبيح الشخص ورسم شبهات كبيرة على فكره، تجعل المتلقي العادي يسلم بقول الملقي، خاصة عند اعتماده لمبدأ التضليل ولعبة رجل القش وإدخال المستمع في متاهات، تجهله لا يشك في الفكرة المدافع عنها.

فمن عجائب الأوهام توهم المعرفة، فقد يتوهم المرء بعد 10 كتب أو بعد عدة مقاطع على البث، أنه أصبح لسان عصره ومؤرخ حضارته ومثقف عالمه، الذي أغمره ولم يلق عليه الضوء بعد، وأن العالم بئيس؛ لأنه لا يسمع لآرائه، إنه فعلًا توهم المعرفة.

يسرنا الاستئناس بما دار بين الفيلسوف والعالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين وبين الروائي الساخر جورج برنارد شو، إذ كتب الأخير رسالة للأول يخبره بأن العلم عقد الحياة وخلق إشكاليات عديدة، ليرد عليه الآخر، مضيفًا إلى قوله بأن العلم كبقعة ضوء صغيرة تسلط على مساحة كبيرة من الظلام (الجهل) الموجود أصلا.

وهذه المقولة الصغيرة تكشف عورة المغرورين بالمعرفة والحقيقة، لتنبههم إلى ضرورة البحث والتعرف عوض العيش في وهم المعرفة، الذي يحرمنا من معارفهم وقيمتهم الحقيقية. وينسب إليه أيضًا أنه قال: «كلما زادت المعرفة صغرت الأنا، وكلما قلت المعرفة كبرت الأنا».

يخنقني شعور ثقيل لا أطيقه هو جهلي، جهل بمعنى الكلمة. لو جمعنا كل العلوم والمعارف ونطقت لنا لأدركنا كم نجهل أنفسنا وعالمنا، فعلومنا لا ترينا إلا التلميحات، بالرغم من المصطلحات العلمية المرعبة (الحقيقة، المعرفة، النظرية…)، فكما قال سبحانه في سياق الرد على من يسأل عن الروح: وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، سورة الإسراء (85).

وحقيقة أشعر بالتقزز ممن تثقل رأسه معلومة أو معلومتين تلقاهما صدفة أو ببحث، ولا يقوى على الاحتفاظ بها أو إبدائها عندما يقتضي الأمر، بل يصطنع حديثا ليخبرك بها، لتعرف عبقريته ومن أنه رجل عارف ومثقف. ويا ويل من اختلف معه.

يسرنا أن نختتم مقالتنا ببيتي شعر يؤكدان ما سلف.

يقول الإمام الشافعي: «كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي».
ويقول الشاعر أبو نواس: «قل للذي يدعي العلم معرفة حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد