سأكتب كل شيء يحوم في خاطري، وسأبوح بكل معرفة أحْيَتْنِي مِن داخلي، حتى يغسل الشتاء مِداد مِحبرتي، أو يبزغ ضوء الفجر في سمائي روحي الممطرة، أو حتى تتناثر الحروف، المعاني، الكلمات والجمل في جميع الطرق، وعلى صفحات قلبي مِن هَوْلِ العاصفة وشِدَّتها. ومِن بين الأمور التي قررنا اليوم بإذن الله تعالى الكلام عنها بانسياب، المخططات العقلية الداخلية لبرامج الأهداف الذكية الغير المرئية، والتي سنجدها في أغلب الأحيان كالتالي:
الأولى: تُعنى بالانطلاق نحو اللذة، والابتعاد عن الألم، أي نحو ما نميل إليه، أو نحو ما هو منبوذ. بمعنى أدق يَنْصَبُّ تركيز منظومة الأهداف هذه على ما يحرك الناس، هذا إذا كان البحث عن كيفيَّة إرضائهم ، أو الابتعاد عن مُسبِّبات القلق مِن الأولويات، كمنغصات الحياة وعدم الرضا. إذ يمكننا اكتشاف ذلك من خلال معرفة حقيقة ما يُبحث عنه في شيء ما. فإذا كانت الإجابة على سبيل المثال تميل إلى الحب والرغبة والاستمتاع، فرؤية الرسم البياني الخاص بالشخص المسؤول تتجه نحو المتعة، أمَّا إذا كانت الإجابة من نوع التوقف عن الشعور بالارتباك، فسوف يستنتج مِن مخطط منظومة برامجه الخاصة الابتعاد عن الألم، لأن الناس عادةً ما يقدرون ويقدمون الخوف عن العقاب، بدافع الجزرة.

إذًا لمعرفة هذا الرسم البياني جيدًا، يجب أن نطرح مجموعة ضخمة مِن الأسئلة المرتبطة فيما بينها، لأنه يسمح لنا بالخطأ مرة واحدة فقط، يمكننا إساءة التقدير فيها. فعلى سبيل المثال: هل كسب المزيد مِن المال؟ هو الذي يقود أغلبنا لتغيير الوظائف؟ أم أن الأمر مرتبط في أساسه بسداد الدَّين. ففي حالة الإجابة الأولى؛ يكون من الممكن الظَّن بأن المخطط الخاص بالمُمتحن يقود نحو المتعة، لكن الإجابات المتتالية توضح أنه بعيد عنها.

الثانية: تخص الإطار المرجعي الخارجي أو الداخلي؛ الذي يشير مخطط منظومة برامجنا الذكية إلى الاتجاه الذي يجب أن نوجه انتباهنا إليه عند اتخاذ القرار. هل هوَّ في تناسق تام مع رأينا، أو نحو ما قد يعتقده الآخرون فينا. الآن؛ يمكننا اكتشاف المزيد مِن المعطيات من خلال طرح هذا السؤال كذلك.

كيف نعرف أننا قمنا بعمل رائع؟ إذا كانت الإجابة هي إدراك الآخرين بأننا ناجحون، أو لأنهم في الأول والأخير يهنئوننا، فإن الإطار المرجعي يكون خارجيًّا. على العكس من ذلك، إذا كانت الإجابة أقرب إلى أننا نشعر بالرضا عمَّا نفعله وفعلناه، لأننا حقًّا نستمتع بكل ما نفعله، إذًا سيتضح جليًّا أننا نتعامل مع شخص إطاره المرجعي داخلي. يميل القادة دائمًا إلى امتلاك إطار مرجعي داخلي، لأنه ليس من الممكن أن تكون قائدًا حقيقيًّا، إلاَّ إذا كنت دائمًا على دراية تامَّة ودقيقة برأي الآخرين. لهذا يجب ألاَّ يغيب عن الأذهان القيَّاديَّة أن هذا الرسم البياني يمكن تغييره من خلال المواقف السياقية والمواقف المُرْهَقَة.

لفهم الفكرة أكثر سنضرب لكم مثالًا رائعًا مِن صميم الواقع المُعاش: ففي مواجهة الحملة الانتخابية، من الطبيعي أن يكون رئيس الحزب على دراية بنتائج الاقتراع، بغض النظر عن حجم الإطار المرجعي الداخلي لديه؛ أو في حالة شخص لديه خبرة كبيرة في مجال معين، على الرغم من وجود إطار مرجعي خارجي، فإنه سَيُقَدِّر حُكمه في هذا المجال، أكثر مِن حكم الأشخاص الآخرين، الذين لديهم خبرة أقل منه.

الثالثة: تتمثل في المخططات الاستباقية أو التفاعلية؛ التي تشير إلى الطرق التي يتبعها المرء عند بدء مساره. إذ يتخذ الشخص الاستباقي القرار ويبدأ في المشي والتقدم، حيث يكون لديه وسائل بديلة رائعة للتصرف في حالات الطوارئ. من ناحية أخرى، يجب أن ينتظر الكاشف للعثور على اللحظة المناسبة للتصرف، ويجب أن يتأكد أولًا مما سيفعله؛ إذ عادة ما يكون أكثر حذرًا عند بدء العملية. ومن العبارات المفضلة لديه تلك المرتبطة بعملية الاستشارة.

الرابعة: تشمل البحث عن أوجه التشابه أو الاختلاف؛ وذلك قصد معرفة ما إذا كان الشخص يعتمد في تفكيره على إيجاد الحلول مِن خلال الاتفاقيات أو الاختلافات؛ إذ يمكننا أن نطلب منه تحديد العلاقات بين مجموعة من الكائنات. فإذا قام بذلك عن طريق وصف أوجه التشابه بينهما، فسيكون لدينا شخص يبحث عن أوجه التشابه، أما إذا ركز انتباهنا على وصف الاختلافات، فسيكون لديه مخطط برامج أهداف ذات مرجعية قائمة على تبني وإيجاد الاختلافات.

بشكل عام، تعد معادلات البحث عن أوجه التشابه، قيم الوسطاء الجيدون، الذين يهتمون ويركزون في تعاملهم مع الآخرين فقط على أساس البحث عن نقاط مشتركة في كلا الجانبين، بهدف التوصل إلى اتفاق. لكن المفاضلين يواجهون ويوجِّهون بوصلتهم في اتجاه البحث عن الاختلافات قبل كل شيء. لهذا فهم يجدون صعوبة كبيرة في إقامة وتشييد علاقات متوازنة مع الآخرين، إلاَّ أنهم على الرغم مِن ذلك هُم في الغالب أشخاص ذوو قيمة كبيرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالإشراف على التفاصيل المَخْفِيَّة.

الخامسة: فئة تبحث دائمًا عن الخيارات أو الإجراءات؛ فإذا كان الشخص لديه خيارات، فسوف يستمتع باختيار طرق جديدة تقوده لا محالة إلى التميُّز والإبداع، بينما إذا كان من المُهتمِّين أكثر بالإجراءات، فيجب عليه اتباع منهجية محددة مسبقًا. إذ يتحمس الشخص الذي لديه مخطط برامج أهداف ذكية بالخيارات كثيرًا، كما أنه يهتم بفعل الأشياء بطرق مختلفة، مع الإلحاح على التنوع في كل شيء. لذلك سيكون من الصعب عليه تحمل روتين الحياة النمطيَّة اليوميَّة، التي تدور في فلك الرَّتابة والإعادة بشكل مستمر. عادة ما يكونون أناسًا متحمسين، لكنهم متقلبون.

من ناحية أخرى يتمتَّع الشخص المعني بهذه الإجراءات، بالقدرة على معرفة المزيد من التفاصيل. مقدمًا على أرض الواقع بشكل يومي، ما يجب عليه فعله، كما أنه عادةً لا يحب التغييرات المستجدة في الأمور المبرمجة مسبقًا. إن الشخص الذي لديه مخططات جاهزة، وأهداف واضحة، لمجموع برامج الخيارات الذكية، سيكون أكثر سعادة في بيئة عمل إبداعية مستعدة ومُحِبَّة للابتكار. أمَّا الوظائف العمومية في اعتقاده ستكون أكثر قيمة بالنسبة للأشخاص ذوي المخططات الفارغة من الإجراءات.

السادسة: وهي مجموعة برامج الأهداف الذكية المرتبطة بالوقت في الماضي، الحاضر والمستقبل؛ إذ هناك أشخاص يركزون أكثر على الحاضر، وآخرون على الماضي أو المستقبل. نستطيع معرفة ذلك مِن خلال مراقبة أنفسنا، حتى يتسنى لنا الوقوف على أوقات شعورنا بالراحة، وكذلك ما الذي يشغل تفكيرنا حينها؟

السابعة: هي النظرة العامة أو الرؤية الخاصة للتفاصيل الدقيقة غير المرئية للعموم؛ فهناك أشخاص، يفضلون عند مباشرة العمل؛ الجدية في امتلاك رؤية عالمية للوضع القائم، وبناءً على ذلك، يتم تنظيم استراتيجيات النهج العام والخاص، بينما يفضل الآخرون التركيز، التفصيل والتدقيق في كل جزء على حدة، حتى يحققوا الشَّعور بالانتهاء منها حسب رغبتهم، ولن ولم ينتقلوا إلى المراحل الموالية بسهولة. لديهم برنامج أهداف متطورة تخص نظرة عامة أكثر فاعلية في قيادة مجموعة أو تنسيق العمل الجماعي، بينما الأشخاص التفصيليُّون أكثر فاعلية في المراجعة التفصيلية لتنفيذ المهمة، أو تنفيذها ببراعة عالية.

الثامنة: تعتمد في أساسها على أسلوب العمل الفردي أو الجماعي؛ أي لكل منا أسلوبه الخاص به، لا سِيَّما عندما يتعلق الأمر بالعمل. فهناك أفراد يحبون العمل بشكل مستقل، وآخرون يجدون صعوبة كبيرة في تقبل رأي الآخرين وقبوله، أو الإشراف الدقيق على ما يفعلونه، بينما غيرهم يفضلون الشعور بالدعم، من قبل مجموعة، لا سِيَّما عندما يتعلق الأمر بتحمل مسؤولية العمل الذي يقومون به. وهناك أيضًا من يفضل العمل في شركة، وآخرون يطورون عملهم بمفردهم، ويتحملون بشكل فردي مسؤولية ما يفعلونه. سيكون الشخص الذي لديه مخطط برامج أهداف لصيق بالخيارات أكثر سعادة في بيئة عمل إبداعية ومبتكرة.

ونحن نراقب، نسجل ونستنتج ما نستطيع رؤيته خطوة خطوة علقت جميع مراحل التفكير في أنفاس الروح وكأنها نسيم عليل. لأن عصافير الأفكار تأتي دائمًا بالأخبار القيِّمة، والأخبار في عمومها تُعرِّفنا إلى الحقائق، حتى وإن غيرت أسراب هذه الطيور المهاجرة طريقها وطريقتها مِن شِدَّة الصراخ الفارغ في أرجاء الأرض، أو مِن كثرة وكثافة الغيوم السوداء المنتشرة في أنحاء السماء. لكن التوكل على الله سبحانه وتعالى والعمل الجاد لساعات طويلة كل يوم مع التطبيق المستمر الواقعي والفعال، يجعل هذا السواد الأعظم يتلاشى فوق الأوراق، ويتفرق بين السطور، والحروف ستشهد على ذلك. لأنه عندما تصبح الكلمات، الحروف، المعاني والجمل وطنًا ثانٍ لنا، وبناؤها وتماسكها وصدقها وقوتها بناء لهذا الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد