ليس في هذا المقال مجال للوقوف بوجه محايد، بل وإن حاولت لن أستطيع في ظل القهر والظلم الواقع، فإن الكلمات تخرج دون روية.

الحديث عن المجتمع الدولي ثقيل كوننا نتحدث عن قوى عظمى ومؤسسات دولية مرموقة، حيثُ  يمكن أن يعتبر هو الرافعة السياسية لأي عمل سياسي تتفق جميع الدول الكبرى على مشروعيته من عدمه، وغالبًا ما تكون مصطلحاته المعروفة في حالة التأييد نؤيد، نناصر، مع، أما في حالة الرفض نشجب، نستنكر، نعبر عن قلقنا، ولكن بكل حال ما يصدر عنه ما هو إلا للتعبئة الاعلامية، وفرقعة في الهواء.

عند الحديث عن مسيرة العودة الكبرى، لست بصدد الحديث عن مدى سلمتها، والتي شهدها المجتمع الدولي بكل قواه من خلال مشاهد واقعية وحية تصدرت المشهد العالمي ولم يُلق لها بالًا، نحن لا ننكر أن هناك أوضاعًا دولية أخرى بحاجة للاهتمام الدولي مثل سوريا، ولكن لا يجب أن يُغض الطرف عن ما يرتكب بحق الفلسطينيين أصحاب الحق المشروع.

قبل البدء بالمسيرة قال نيكولاي ملادينوف المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط إنه يتابع بقلق الاستعدادات والخطابات المستمرة بشأن «مسيرة العودة الكبرى»، وإذا ما حاولنا تدقيق النظر نجد قبول أممي بتلك المسيرة وإن لم تعبر عن ذلك بشكلٍ صريح، وهذا إن دل يدل على أن مسيرة العودة هي مسيرة مشروعة في القانون الدولي، بل وما هي إلا تأكيد وترجمة  لقرار الأمم المتحدة 194 الصادر عام 1948، وبالتالي يترتب على الأمم المتحدة واجب وهو الوقوف بجانب الشعب الفلسطيني.

لا شك أن طبيعة النظام الدولي السائد الذي يجعل ما يصدر عن الولايات المتحدة الأمريكية من قرارات ولوائح قيد التنفيذ حتى لو اعترضت باقي الدول عليها، ونجد ذلك جليًا من خلال سيطرتها على الأمم المتحدة بكل أفرعها وهذا ما شوهد من خلال العديد من القرارات الدولية المؤيدة لإسرائيل.

منذ سيطرة دونالد ترامب على الحكم في أمريكا والمجتمع الدولي يعيش حالة من الديكتاتورية التي جعلت من أمريكا صاحبة القرار التعسفي بدون منافس، بل تمارس الضغط بالتهديد في بعض الحالات لإجبار بعض الدول على الخضوع لرغبتها السياسية. حتى وإن ظهرت قوة اقتصادية عظمى فإنها تجعل من العالم متعدد الأقطاب اقتصاديًا فقط، فحتى الآن لم نجد تلك الدولة التي تقف بكل جبروتها ضد قرارات أمريكا، وخاصة الأحداث الأخيرة عن استعدادات بنقل السفارة إلى القدس في يوم النكبة مما يعني استمرار استفزاز أمريكا للفلسطينيين، ولذلك قرر الشعب الوقوف في وجه القرار سلميًا مع العلم أن الأمم المتحدة لم تصدر أي قرار يقف في وجه هذا التعسف الأمريكي.

المجتمع الدولي بأغلبية من دوله يؤكد على حق الفلسطينيين في أرضهم وبأن هذا الحق مشروع كفلته القوانين والمواثيق الدولية ضمن حق تقرير المصير، عند العودة للتاريخ نجد بأن الدول التي طالبت بهذا الحق وأسندته إلى الشرعية الدولية حصلت على استقلالها من الاستعمار مثل لبنان والجزائر وسوريا وغيرها، وبالتالي فإن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هو حق مشروع، وإنهاء الاحتلال غير المشروع هو واجب على الجميع.

لا يمكننا أن نغفل الأهداف السياسية التي حققتها المسيرة من إحياء للقضية الفلسطينية، والتأكيد على التمسك بقرار الأمم المتحدة الخاص بحق العودة 194، وتحقيق الوحدة الوطنية في الميدان، ولفت نظر  والمجتمع الإقليمي والدولي بأن الفلسطيني لن ينسى، ووضع القضية مرة أخرى على الطاولة الدولية، أيضًا أثبتت مدى جرم الاحتلال وبشاعته لإثبات المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون في مواجهة القوة العسكرية الغاشمة التي احتلت الأرض وتواجه السلم بالحرب متباهية ببشاعتها، حيث لا تعطي للقرارات الدولية أي اهتمام لأنها مدركة بأن أمريكا القوة العظمى ستقف إلى جانبها مهما كلفها الأمر.

يعاني النظام الدولي من ازدواجية قبيحة تُغطيه مصلحة الدول الكبرى على حساب الشعوب  لذلك يواجه الطرف الفلسطيني قوة مدعمة بقوة أضخم وهي أمريكا التي استفزت الفلسطينيين مرارًا وتكرارًا وأصبح غير قادر على الاحتمال، لذلك فإنه لا سبيل للعودة عن المسيرة. وصفقة القرن التي طُرحت لم يسمع لها صدًا منذ انطلاق المسيرة، حيث إنه ليس بمقدور البيت الأبيض الحديث عنها الأن وإشعال الجبهة أكثر على إسرائيل في الوقت الذي تحاول به إخمادها بالضغط على الدول العربية للضغط على السلطة من أجل إجبار الشارع الفلسطيني على التراجع وهذا ما ظهر جليًا من خلال العقوبات السابقة التي فرضتها على سكان القطاع والتهديد المتكرر للموظفين بقطع الرواتب في محاولة منها للضغط عليهم، مستغلة بذلك حوادث ليس لحكومة غزة ذنبًا فيها، بل كانت بمثابة ورقة رابحة لها تمكنها من ترك المصالحة.

وبالتالي فإنه في الوقت الذي كان يجب على الأطراف الفلسطينية أن تستثمر الأمر لإنجاح المصالحة جاءت السلطة الفلسطينية وألقت بثقل غبارها على الأمر، ليست السلطة الوحيدة المذنبة حماس داخل القطاع مستفيدة من الكثير من الأزمات الموجودة فيه، بل وتتاجر بأوجاع الشعب، كلا الطرفين جعل الشعب يعاني الويلات ويجب على كلاهما التخلي.

نحن الآن في القرن الحادي والعشرين قرن التباهي بالتقدم التكنولوجي الضخم، الديمقراطية،  حقوق الإنسان، الإنسانية، العدالة المساواة، ولكن نجد أن الصراعات الدولية والحروب قد وجدت أوجها  في هذا القرن دون أي اعتبار للإنسانية، حيث لا أحد يهتم بما يصدر عن الأمم المتحدة من قرار ولا يتم وضع اعتبار للقانون الدولي.

بالرغم من إصدار محكمة الجنايات الدولية قرارًا أكدت فيه على استعدادها لمحاسبة إسرائيل في الجرائم التي ترتكبها ضد المتظاهرين المدنيين، إلا أن ذلك لا يعطينا الأمل بشيء فسبق وكان لها مواقف مماثلة خلال الحروب الإسرائيلية على القطاع ولكن أي من القرارات التي تصدرها تنفذ.

بالنهاية ما يقوم به الاحتلال من اعتداء على المدنيين الذين رفعوا منذ البداية شعار السلمية فيه انتهاك صارخ لكل قرارات القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبالتالي يجب على مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة تنفيذ الهدف الذي أنشؤوا من أجله وليس فقط إصدار قرارات فخرية، وهو ضرورة حفظ حياة المدنيين وحفظ السلم والأمن الدوليين واتخاذ قرارات حاسمة لوقف اعتداءات قوات الاحتلال المستمرة على الشعب الفلسطيني الأعزل المطالب بحقوقه والقيام بفتح تحقيق للنظر في الجرائم التي ارتكبها سواء بحق صحفيين والطواقم الطبية والأطفال والنساء والشيوخ جميعها فئات كانت بمرمى نار العدو الغاشم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد