«عندما كنت في التاسعة من العمر ذهبت إلى مخيم صيفي لأول مرة، وكانت والدتي قد وضعت في حقيبة ملابسي الكثير من الكتب وهو الأمر الذي بدا لي طبيعيًا تمامًا، لأنه في عائلتي، القراءة كانت النشاط الجماعي الأساسي، وربما يبدو لكم الأمر غير اجتماعي، ولكنه بالنسبة لنا كان في الواقع طريقة مختلفة لنكون اجتماعيين، نجد الدفء العائلي بالقرب من بعضنا البعض، ولكننا كنا أحرارًا في التجوال في عوالم المغامرات داخل عقولنا، وبدت لي فكرة أن المخيم الصيفي هو نحو ذلك، بل أفضل، فكنت أتخيل جلوس 10 فتيات في غرفة يقرؤون الكتب بارتياح في قمصان نومهن المتجانسة، ولكن المخيم كان حفلًا ليليًّا راقصًا لكن بدون كحول».

لعل الشرود في صورة واقعية باعتباره مدخلًا لقياس تصرف نُقبل عليه ليس بالخطأ في كثير من الأحيان، أو لنقُل أن الشرود بعقولنا إلى ما وراء الأشياء ليس بخطأ على الإطلاق، لعله السبيل الأكثر عُمقًا لفهم حقيقة الأشياء التي لم تجمعنا الحياة بتجربة خاصة بها تُعلمُنا ما يكفينا تجاهها بعد، فلنقل أنه حينها يكون لأجل اكتساب خبرة في أمور ينقٌصنا الكثير لتكوين صور واضحة عنها، هكذا بدت لي كلمات الكاتبة الأمريكيّة سوزان كين في حديثها عن الانطوائيين.

أن تغدو دخيلًا على تفاصيل لم تعهدها من قبل، وتصبح «تأقلم يا عزيزي» أكثر الجمل عهدًا بأذنيك فجأة، أن تشعر لوهلة بضجة شديدة وحركة غير مألوفة في كل شيء حولك، ليس الأمر بهين على الإطلاق، ولعل ما يزيد الأمر سوءًا هو أن تكون مُطالبًا بمسايرة كل هذا، لأنه عادة ما يتم تجاهل طبيعتك تلك، حينما يرتبط الأمر بتواجدك وسط بيئة تُعد الاجتماعية هي أولى بنودها، فإن الأشياء لن تبدو أبدًا بتلك الصورة التي كنت تتوقعها.

حينها ستصلُك أولى الدعوات نحو ضرورة تغيير نمط حياتك الهادئ والانطوائي، ستشعر لوهلة بأن طبيعتك تلك لم تكن بالضرورة الخيار الصحيح، وأنه يجب عليك أن تنطلق إلى الانفتاح والتحرر أكثر، بل قد تشعر للمرة الأولى برفض لفطرتك، وعلى صعيد آخر تجد شيئًا ما بداخلك يقول لك أنك بخير وإن الانطوائيين رائعون كما هم، كما تحدثت سوزان.

ومن هنا تبدأ رحلتك مع فترة الشتات تلك، قد تقوم فيها بكل ما يضاد إرادتك بصورة تلقائية، فقد تتناول شطيرة جبن بدلًا من رغبتك في تناول شطيرة من اللحم، ستتساءل كثيرًا وتتردد أكثر، تشعر في كثير من الأحيان بأن ذهنك مُشتت بين ما تشعُر به، وبين ما يُهيأ له الجميع بأنه عليهم فعله.

هل عليك أن تنصاع للسير نحو باب التأقلم حقًا، أم أن تظل كما أنت؟

في الحقيقة لا شر من تجربة كان سيئُها خيرًا،فلنقل فرضًا بأنك ستختار أن تخوض تجربتك نحو التأقلم، وستأخذ بإرادتك نحو الرغبة في أن تصير اجتماعيًا، إذًا ستبحث عن الإجابة بنفسك، بل ستدفع بعقلك نحو أن يُصبح شديد القناعة بما قد يصل إليه من إجابة في نهاية تلك التجربة وهذا أمر جيد.

ونحو الإجابة التي قد تصل إليها فإنني أعتقد إن الأمر لا يروق عادة لكثير من الانطوائيين، وأن القليل جدًا منهم من قد يستمر في ذلك، فكثير من التفاصيل لن تكون سوى تفاصيل مملة، لشخص انطوائي اعتاد الهدوء والسكون والميل إلى الثبات والاستقرار بأغلب الأشياء، بل غالبًا ستنتهي تجربته تلك بالطوق شوقًا إلى سرعة العودة نحو كهف فطرته تلك التي شعر في توقيت ما برفض لها، يشبه الأمر كثيرًا حضور مُحبي الموسيقى الكلاسيكية الهادئة لحفل صاخب، لن يمثل الأمر لهم سوى تجربة سيئة عابرة لا يرغبون في تكرارها مرة أخرى.

ما هي الانطوائية ومن هم الانطوائيون؟

لعل أفضل وصف قد قرأته بشأن ذلك كان وصف سوزان كين التي تقول فيه إن «الانطوائية أمر مختلف عن كون المرء خجولًا، فالخجل هو الخوف من حكم المجتمع، بينما الانطوائية هي أقرب إلى كيفية استجابتك للتحفيز، بما في ذلك التحفيز الاجتماعي، فالمنفتحون يحتاجون الكثير من التحفيز، بينما الانطوائيون يشعرون أكثر ما يشعرون بالحياة أو بالقدرة أو بالتمام عندما يكونون في بيئة هادئة وقليلة التغير والنشاط، ليس كل الوقت فهذه ليست مطلقات ولكن في معظم الأحيان».

عادة ما يكون للانطوائيين فكر ونظرة مختلفة عمن حولهم للأشياء، وهو ما يخلق فجوة بينهم وبين الآخرين في كثير من طرق تعاملهم مع تفاصيل الحياة اليومية، بل غالبًا ما تكون هناك نزعة داخلية فطرية بداخلهم نحو الميل لمحاولة تغيير ما قد يقابلهم في الحياة لصورة أفضل أشخاصًا كانوا أو شيئًا ماديًا، أكثر انصياعًا نحو الميل إلى كل ما هو أقرب لصحيح الأشياء.

تقول سوزان «في الحقيقة أن كل القادة الذين غيروا تاريخنا كانوا انطوائيين، وقد بان لنا جميعًا قوتهم الخاصة في ذلك، لأن الناس كانت تعي أن هذه النوعية من القادة تتربع على رأس الهرم، لا لأنها تعشق توجيه الآخرين ولا لأنها تعشق جذب الأضواء، ولكن لأنهم لم يملكوا خيارًا آخر فهم يشعرون أنهم مدفوعون للقيام بما هو صحيح».

ونهاية حتى كارل يانغ العالم النفسي الذي طرح هذين المصطلحين (المنفتحون – الانطوائيون) قال إنه لا يوجد حقيقة شخص منطوٍ تمامًا أو منفتح تمامًا، إلى جانب أن المثالية ليست هدفًا بل هي استحالة، لم يُخلق أيًا منا مثالي، وإن كان العدم ليس عدمًا لكل ما عداها، لذا تقبل فطرتك وكن كما أنت، ولا تقلق بشأن من حولك سيعتادونك يومًا ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك