تاريخيًّا

على الرغم من تفشي جائحة كورونا في المنطقة، إلّا أن الشرق الأوسط يشهد تغيرات جذرية خطيرة للغاية، قد ترسم معالمه لسنوات قادمة. لعل أبرز هذه التغيرات هي المواجهة الإيرانية- الإسرائيلية المحتملة وآثار هذه المواجهة على العالم بشكل عام، وعلى الشرق الأوسط بشكل خاص.

المواجهة بين إيران وإسرائيل، اتخذت طابع التأجيل لسنوات عديدة. فتاريخيًّا دخلت إيران إلى سوريا بين عامي 2011م، و2012م، ولعل تغاضي الطرفين الأمريكي والإسرائيلي عن هذا التواجد كان لأسباب استراتيجية، وهي استنزاف ايران في سوريا، سواءً من الناحية البشرية أم الاقتصادية، ولا يبدو أنّ الإيرانيين كانوا في غفلة عن هذا الاستنزاف، بحيث وضعت إيران امتيازات التدخل والاستنزاف على كفتي الميزان، فرجحت كفة الامتيازات، فجاء قرار التدخل المباشر والفاعل في سوريا.

صحيح أنّ إيران تعاني من أزمات اقتصادية، وصحيح أن الأوضاع المعيشية سيئة للغاية؛ وخصوصًا بعد تفشي فيروس كورونا (والعقوبات الأمريكية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية)، إلاّ أن إيران وجدت أنّ الفرصة لن تتكرر؛ لذلك بنت لنفسها قواعد، وانتشرت على طول الحدود الشمالية لإسرائيل في سوريا. وأصبح تواجد الإيرانيين هناك أمر واقع، وغيّر هذا التواجد العديد من المعادلات الإقليمية الإسرائيلية.

لماذا لا يرد الإيرانيون؟

قد يتساءل البعض، لماذا لا ترد إيران على الضربات العسكرية الإسرائيلية في سوريا؟

إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب النظر في الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إيران لتحقيقها في سوريا والمنطقة؛ فمن الراجح أن الهدف الاستراتيجي المهم لإيران في سوريا، هو تثبيت القواعد العسكرية وتموضعها هناك بالقرب من الحدود الإسرائيلية، لتصبح المدن الإسرائيلية على مرمى حجر من أهدافها.

ومن وجهة نظر تحليلية، لن تفرّط إيران بهذه القواعد هناك، وترد بشكل عميق وقوي ضد الهجمات الإسرائيلية، التي يتم القضاء على بعضها من قبل الدفاعات الجوية السورية، ويخطئ بعضها بالهدف، وتقتصر بعض هجماتها على الماديات في العتاد العسكري، ناهيك عن أن حليف إيران (بل ذراعها العسكري) حزب الله، الذي فرض قواعد اشتباك مع اسرائيل منذ أكثر من عام تقريبًا، تفيد قواعد الاستباك هذه أن حزب الله سيرد على مقتل أيٍّ من عناصره سواء في لبنان أم في سوريا؛ لذلك يتجنب الإسرائيليون شن هجمات عمياء، قد تدفع بكرة الثلج إلى الهاوية.

شيطنة إيران

إنّ ما ساعد إسرائيل على التمادي بالتفريط بحقوق الفلسطينيين هما أمران؛ الأول وصول قائد يميني عنصري كترامب إلى البيت الأبيض. يمسك بقلمه ويخط ملكية الأراضي الفلسطينية والسورية للإسرائيليين، والأمر الثاني هو وقوع الدول العربية (الخليجية وغير الخليجية) في فخ شيطنة إيران، وترويج بعض وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية لهذه الشيطنة، وتصوير إيران على أنها العدو الأول للدول العربية بدلًا من اسرائيل؛ بل اتجهت بعض وسائل الإعلام إلى تصوير إسرائيل على أنها الحليف المناسب للوقوف أمام المد الإيراني في المنطقة.

وللإجابة على هذين الطرحين علينا مناقشتهما بحيادية وتمعُّن للوصول إلى الحقيقة.

فبالنسبة للرئيس ترامب، فالرئيس يواجه أزمات داخلية في الولايات المتحدة ناهيك عن المشاكل التي خلقها للولايات المتحدة خارج الحدود، وبمراجعة بسيطة لنفوذ الولايات المتحدة في الخارج ستكتشف بأن الولايات المتحدة تتجه للعودة إلى الحدود والانكفاء على الذات، وفي هذا تفريط بنفوذ خططت له الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. الانسحاب من سوريا وأفغانستان، مهّد لتدخل روسي (العدوة المفترضة للولايات المتحدة) واسع النطاق هناك، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، مهّد لظهور توافقات واتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع العدوتين روسيا والصين.

فقدان الرؤية بالنسبة لـ«ليبيا» جعلت من ليبيا مناطق نفوذ (تركي- روسي). سحب العديد من القوات الأمريكية من ألمانيا سوف يجعل الحلفاء القدماء في مواجهة مباشرة مع روسيا. وأما إسرائيليًّا فيجب القول إن الرئيسين نتيناهو وترامب يواجهان اضطرابات داخلية حادة للغاية، فمنح اسرائيل، الجولان والقدس على طبق من ذهب، دفع إلى توحيد (أو السعي لتوحيد) الصف الفلسطيني، كما ساهم بانشقاق داخلي حاد في إسرائيل، ناهيك عن التجاذبات الداخلية حول عملية الضم الإسرائيلي للضفة الغربية وفشلها؛ من جهة أخرى قد يتم إقصاء ترامب من البيت الأبيض خلال الانتخابات المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ وبذلك يتم العودة إلى المربع الأول.

ثانياً: إن محاولة شيطنة إيران، وتصويرها على أنها العدو الأول للعرب، ساهم بشكل أو بأخر بتضييع حقوق الشعب الفلسطيني. أضاعت بعض الدول العربية البوصلة العربية التي كانت تتجه نحو فلسطين وحماية حقوق الشعب الفلسطيني منذ حرب 1948م؛ فتصوير إيران على أنها العدو الأول دفع ببعض هذه الدول إلى التوجه لإسرائيل، والانخراط المخجل بمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي؛ بل ودفعت البحرين على سبيل المثال لدعوة إسرائيل إلى ورشة البحرين لتضييع الحقوق، ناهيك عن دعم بعض الدول لصفقة ترامب التي لا تمنح الفلسطينيين إلا «كانتونات» متفرقة هنا وهناك.

إيران لم تحتل الأراضي الفلسطيينة، ولم تشجع إسرائيل على ضم الضفة الغربية أو الجولان أو غور الأردن، والعرب بتوجههم نحو إسرائيل إنما يعتمدون على صديق متزعزع داخليًا وخارجيًّا (خصوصًا مع الضغوط الدولية الرافضة لضم الضفة الغربية، ضد إسرائيل). إسرائيل لم ولن تتحول أبدًا لحليف للشعوب العربية، وإسرائيل اليوم محاصرة بنفوذ إيراني في كل من سوريا ولبنان (عن طريق حزب الله).

ختام القول: إنّ التغييرات الإقليمية التي تحدث اليوم في منطقة الشرق الأوسط قد ترسم معالم المنطقة لسنوات قادمة، ولعل أخطر ما قد تواجهه هذه المنطقة هي مواجهة إيرانية- اسرائيلية مدمرة. بدورنا نحن العرب علينا تصحيح مسار البوصلة أولاً بنبذ الخلافات بين الدول العربية (حصار قطر، حرب اليمن والتدخل في ليبيا)، وثانيًا بالتخلي عن فكرة أنّ إيران عدوة لا يمكن الوثوق بها (قد نختلف مع الإيرانيين في العديد من القضايا إلا أن دعوات الإيرانيين للحوار تتطلب منا نحن العرب جرأة الموافقة والجلوس إلى طاولة المفاوضات لحل المسائل العالقة)، وثالثاً عدم الاعتماد على اسرائيل كحليف في المنطقة ونبذ التطبيع؛ فإسرائيل تحتاج لمن يحميها، رابعاً الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني ودعم الأردن أمام الأطماع الإسرائيلية.

بهذه الخطوات سنكون فاعلين مهمين في المعادلات الإقليمية والدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد