يظل التاريخ الإيراني الحديث غير معروف بالنسبة لكثيرين، ومعلوماتنا عنه سطحية، وبالتمعن فيه نجد أنه سيرة من التحولات الداخلية والخارجية التي استطاعت أن تلعب دورًا في المجتمع الايراني تحت السلطة القاجارية، وتعتبر الثورة الدستورية الإيرانية بداية التاريخ الإيراني الحديث، وتظل الكتابة عنها أمرًا مهما لفهم تلك التحولات.

القاجار: السلطة والمجتمع

«القاجار» اتحاد قبلي بلسان تركي تمكنوا في عام 1794 بقيادة الخصي أغا محمد من تأسيس دولته التي استمرت حتى عام 1925، واتخذ من طهران عاصمة لحكمه، وتميز المجتمع القاجاري بثلاث ملامح أساسية، أولها: انقسامه لطبقة أرستقراطية مثلها القاجار، واعتمدت بشكل كبير على طبقة محلية من الأعيان ونبلاء الريف، واعتبرت الجناح المكمل لها، وطبقة وسطى ممثلة في تجار المدن، ورجال البازار، وشكل ارتباطها برجال الدين أول ملامح المجتمع القاجاري، وهذا يرجع لسببين:

الأول باعتبارها الممول الأساسي للمؤسسات الدينية. والثاني لطبيعة المذهب الشيعي الذي كان يري السلطة الزمانية في حالة غياب الإمام جائرة فكان رجل الدين الوسيط بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وثانيها: التنوع الهوياتي الذي أفقد المجتمع روح الانسجام، والتناغم، ولعبت فيه الجغرافيا دورًا مهمًا في فصل طبقاته الاجتماعية عن بعضها البعض، وثالثها: اعتماد السلطة القاجارية على طبقة الأعيان المحليين ورؤساء القبائل؛ لافتقارهم إلى بيروقراطية مركزية تلك الطبقات التي سمح الشاه لها بنفوذ لا بأس به اقتصر على دفع أموال، أو المشاركة في حروب، وعبرت عن مصالح أفرادها مع السلطات الحاكمة والعالم الخارجي، وأهم سمة ارتكز عليها القاجار لإحكام سيطرتهم على الأمور سياسة «فرق تسد»، واستغلال الانقسامات الاجتماعية للتدخل في شؤون تلك الطبقات باعتبارهم حكامًا يحق لهم التدخل.

تلك الملامح الأساسية التي تميز بها المجتمع القاجاري المنقسم في داخله المفتقد لسيطرة مركزية بدت منطقية بسبب: فشل محاولات الإصلاح، وتنامي قوة رجال الدين؛ مما جعل شرعية القاجار محدودة مع الظروف الجغرافية التي حالت دون التواصل مع الفئات الاجتماعية.

تلك الأوضاع التي لن تستمر طويلًا، خصوصًا مع محاولات الاختراق الغربي، وإدراك السلطة القاجارية بضرورة التحديث.

النفوذ الغربي ومحاولات الإصلاح

كان الاختراق الغربي في إيران القاجارية وليد لحظة تاريخية جمعت بين مجتمع مفكك ساهم في إضعاف روابطه، وسلطة مستبدة تحتاج لأموال لتنفيذ خططها الإصلاحية، واستطاع أن يوحد بين رجال الدين والبازار في طبقة وسطي، ونشر الأفكار الغربية، وكانت الهزائم المتكررة على يد (روسيا وإنجلترا)، وإجبار السلطات القاجارية على توقيع اتفاقيات غلستان، وتركمانجاي وباريس في أعوام 1813 و1828 و1857، ولعبت تلك الاتفاقيات دورًا في الواقع الإيراني فمن ناحية: تنازلت إيران عن أراض تابعة لها، ومهدت بشكل كبير لسياسة الامتيازات الأجنبية، ومن ناحية أخرى: هددت اقتصاد إيران الشبه رأسمالي، فالطبقات الأدني في السلم الاجتماعي مثل: الفلاحين والحرفيين وقعت فريسة للاقتصاد الغربي ودفعت تكلفة النفوذ غاليًا؛ مما أوقعها في حالة من الكساد والفقر، وازدياد الفوارق الطبقية؛ مما أشعر الحكومة بالخطر، خصوصًا في الميدان الاقتصادي الذي تحولت بوصلته ناحية النفوذ الغربي، وأمام تلك التطورات اضطر القاجار لاتباع سياسة «التحديث الوقائي» من أجل الحد من النفوذ الغربي، وبدأت محاولات الإصلاح على يد ناصر شاه، ووزيره ميرزا تقي خان، متأثرين بحركة الإصلاح العثماني، فعملا على تحديث الجيش، والكف عن بيع المناصب، وإصدار أول جريدة فارسية، وكان على رأسها: إنشاء دار الفنون من أجل تدريب أبناء الأعيان وتأسيس لواء القوزاق.

تباينت الأراء حول سياسات التحديث فرأي الشعب أنها ليست لصالحهم، بينما رأي رجال البازار، وعلماء الدين أنها تهديد لنفوذهم، ولاحتياج القاجار للأموال بدأت سياسة منح الامتيازات الأجنبية، وأولها: منح البارون رويتر امتياز لبناء السكك الحديدية عام 1891 أعقبها بست سنوات منح السير (تالبوت) امتيازًا بشراء وصنع التبغ، وفي عام 1901 تم منح امتياز (دارسي) للتنقيب عن النفط لصالح إنجلترا.

جاء التحديث ردًا على النفوذ الغربي الذي تغلغل بشكل كبير في المجتمع وأضعف الروابط بين السلطة والمجتمع وقد تأثرت به مختلف الطبقات، فالحرفيون فقدوا فرص عملهم ورجال الدين والبازار خشوا من تنامي فرص تقوية الحكومة المركزية.

تشكل النخب والحركة الوطنية

أفرزت إصلاحات ناصر شاه نخبة مثقفة تأثرت بالأفكار الغربية التي جلبها النفوذ الغربي لإيران أصبحت عصب للطبقة الوسطي، وبحثت لها عن موضع للمشاركة في الحياة السياسية، وكانت وسيلتها الأبرز: الصحف والجرائد، ويعتبر مالكوم خان أحد رموز النخبة المثقفة خريج دار الفنون وقد طالب من ناصر شاه العمل على تحديث دولته والدعوة لإقامة دستور، وتأسيس بنك للدولة وتعتبر أفكار مالكوم خان المنبع الذي ارتكزت عليه الثورة الدستورية فيما بعد، وإلى جانب النخبة المثقفة نجد دور رجال الدين فبسبب عقيدتهم الاثني عشرية التي تنص أنه في حالة غياب الامام يمثل رجل الدين المرجعية الأساسية لذلك ناصبت القوي الدينية العداء للصفويين والقاجاريين؛ مما جعل دورهم ملموسًا، ومحتكين بشكل أساسي في التفاعلات الاجتماعية؛ نظرًا لاتصالهم بجميع القوي الفعالة، وكان لابد للدولة أن تستميلهم لجانبها، وكانوا أيضًا سببًا في افتقاد القاجار لأي سلطة مركزية بسبب تنامي نفوذهم، ولم يقتصر نفوذهم على الدين بل امتدت أيديهم في جميع المجالات الاجتماعية.

تضافرت العوامل بين أزمة اقتصادية ونفوذ أجنبي مع سلطة مستبدة أدي لاندلاع حركة واسعة من الاحتجاجات وكانت البدايات: أزمة التبغ التي أدت لإلغائه بسبب فتوي لميرزا حسين الشيرازي، واضطر الشاه لانتهاج سياسة العنف التي ستؤدي في نهاية الأمر لاغتياله، وتولي مظفر شاه الذي استجاب لحركة الشارع، وواصل في سياسة استكمال الإصلاح.

حاول الكل أن يقود حراك الشارع بين نخبة مثقفة تشربت من أفكار الغرب ورجال البازار، وسلاحهم إضراب السوق أما رجال الدين فأرادوا أن تصبح الدولة تحت نفوذهم ذلك الخليط المختلف من الأفكار سيكون مفيدًا في بدايات الثورة، ولكنه سيضر بها فيما بعد.

الثورة والسلطة

محاولات الإصلاح التي انتهجتها السلطة القاجارية ساهمت في بلورت نخبة وطنية حسمت الموقف لصالحها في مجتمع عاني من التدخل الأجنبي، وانطلقت الجماهير في عام 1905 بقيادة التجار والمرابين يطلبون بطرد ناوس (مدير الجمارك البلجيكي) وبسداد القروض التي اُخذت منهم واستجاب الشاه مؤقتًا وقام بطرد ناوس، ولكن أمام تهديدات روسيا تراجع الشاه، فما كان من رجال البازار، إلا استعمال سلاحهم بإغلاق الحوانيت، وبقيادة رجال الدين تظاهروا مرة أخرى، فلم يجدد الشاه فرصة أمام الضغط إلا الاستجابة، ولكنه لم يوافق على بقية المطالب التي تضمنت: إنشاء مجلس للعدل، كان الحراك الشبعي أقوى من السلطة القاجارية التي لم يستوعبها مظفر جيدًا، وفي 1906 انطلقت الجماهير فلم يجد مظفر، إلا قوة القوزاق لفض الجماهير، وهناك أضرب رجال الدين بقيادة طبطبائي وبهبانئ ومعهم الشيخ نوري، ولم يجد التجار إلا الاحتماء بالسفارة البريطانية، ومن داخلها طالبوا بإنشاء لجنة لوضع الدستور، ولم يجد مظفر إلا الموافقة، أجبرت السلطة على تنفيذ مطالبهم التي سرعان ما ستنقلب عليهم، وبناء على ما سبق تشكلت لجنة لوضع الدستور ولجنة لوضع لائحة انتخابية وتشكل المجلس التأسيسي في عام 1907 من حزبين معتدلين (قادة المظاهرات)، وليبراليين بقيادة حسين تقي زادة وتم وضع دستور لأول مرة في تاريخ إيران الهدف منه: إقامة ملكية دستورية، ووقع عليه مظفر شاه قبل وفاته وبتولية محمد علي الذي وعا الدرس جيدًا، خصوصًا مع ميوله الرافضة للحياة النيابية، وتزامنت ميوله مع عدد من الظروف أبرزها: الظروف الدولية التي أفرزت اتفاقية (الأنجلو/ فارسية) عام 1907، والتي وقُعت لإنهاء الخلافات بين روسيا وإنجلترا من أجل الوقوف ضد النفوذ الألماني المتزايد، وقيام المجلس بمحاولات الإصلاح المالي فقام بضم الأراضي لوزارة المالية مع بروز انتقادات لدور علماء الدين من النخبة الليبرالية التي أكدت رفضها لدورهم البارز، وعدم حقهم في الإشراف على القوانين ونتيجة للاختلافات بادر نوري بالانسحاب متهمًا الليبراليين بالكفر.

وجد الشاه فرصة جديدة عام 1908 ليقوض المجلس النيابي، وأعلن الأحكام العرفية وقاد سلاح القوزاق لينهب البازارات وقصف المجلس وبدت الأمور لصالح الشاه، ولكن أتى دعم للقوات النيابية، خصوصًا من رجال الدين أمثال طهراني والخراساني، التي سرعان ما انتصرت وأجبرت الشاه على الالتجاء للروس مقابل تنازله عن العرش وتولية ابنه أحمد شاه، وعمل البرلمان على معالجة المشكلات الاقتصادية فأقدم على جلب خبير أمريكي يدعى (شوستر)؛ مما أزعج الروس، فأُغلق البرلمان بسبب تهديداتهم ومهدت الحرب العالمية الأولى فرصة لإنهاء الحياة النيابية، رغم حياد إيران الذي قوبل بالتشيك في نواياها والادعاء بمناصرة الألمان.

انتهت الثورة الدستورية بنهاية غير متوقعة فبسبب اندلاع الحرب العالمية، وقيام الثورة البلشفية 1917 التي كشفت عن المعاهدات السرية بين روسيا القيصرية وإنجلترا ومن ضمنها اتفاقياتهم حول إيران للخروج معًا من إيران، وبغياب حكم مركزي وضائقة مالية وحكومة غير قادرة على بسط نفوذها، كانت صيغة الملكية الدستورية تفتقر الظروف الملائمة، خصوصًا مع انقسام الفئات الاجتماعية وعدم وجود حكومة مركزية وبيروقراطية في مجتمع لعب فيه الدين دورًا محوريًا تجلي في مشاركة علماء الدين في جميع مراحل الاجتماعية تلك المشاركة التي سببت فيما بعد جرحًا عميقًا في بنيانه، فعندما رُفضت مطالبهم لجأوا إلى السلطة القاجارية وكانت التدخلات الأجنبية في صالح القاجار كما رأينا فعملت على تمزيق البلاد وحماية السلطة لتستعملها من أجل الحصول على مكاسب وأبرز دليل احتماء ( ميرزا محمد علي) بالروس، وتوقيع معاهدة الأنجلو روسية من أجل الاستحواذ على إيران، وتقسيمها لمناطق نفوذ ومهدت لدكتاتورية عسكرية بقيادة (رضا خان) مؤسسة حكم أسري بقيادة الأسرة البهلوية تداركت أخطاء القاجار بتحويل المجتمع تحت سيطرة مركزية أصبحت فيه الدولة هي المركز الأساسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد