الثورة الإسلامية الإيرانية

في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 1978، طرق باب منطقة الشرق الأوسط وباب العالم بأسره ضيف جديد، ضيف سوف يئد أيديولوچيات ويُحيي أخرى، سيهدم مصالح ويبني أخرى، ضيف سيُغير سياسية الشرق الأوسط وخريطته، ويقلب موازين القوة في المنطقة، إنه خريف الثورة الإسلامية الإيرانية في شتاء يناير من عام 78.

ومن المعهود أن كل الثوارات في العصر الحديث كانت نتاج فكر اشتراكي، أو شيوعي، أو حتى رأسمالي، لكن ما غفل عنه الكل، وما لم يتوقعه الجل أنها الثورة التي مهدت لظهور الإسلام السياسي، وبزوغ نَجمهُ، خاصًة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

ومن مُفرقات القدر أن أطياف الشعب الإيراني من أصحاب الفكر الشيوعي والماركسي، وحتى العلمانيين والإسلاميين، كانوا على صعيدٍ واحدٍ في مواجهة الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، المدعوم من الغرب الرأسمالي، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم الأكبر له.

فبذلك حققت الثورة الإيرانية أولى أهدافها، وهي اجتماع جميع الأيديولوجيات معًا، وهو ما لم تحققه ثورة 25 يناير في مصر، وكان جزء من أيديولوچية الثورة مأخوذًا من الكاتب والمفكر السياسي والأديب الإيراني البارز جلال آل أحمد، وهو عداء الغرب ورفض أفكاره التي كان يراها وباء على العالم الإسلامي، إذ تبنى قائد الثورة ورجل الدين الشيعي روح الله الخُميني فِكره، ونقل عنه قوله:

ثقافة الإمبريالية المسمومة تنتشر حتى أعماق المدن والقرى في العالم الإسلامي، مُزيحة ثقافة القرآن الكريم، مُستخدمة شبابنا لخدمة الأجانب والمحتلين.

وجلال آل أحمد كان شيوعيًّا بارزًا واشتهر باستخدامه مصطلح «غربزاديجي» وهو مصطلح فارسي معناه بالعربية «نزعة التغريب»، وهو يحمل اسم الكتاب الذي كان بمثابة تعرية للغرب.

كان الثوار لا يأمنون لمكر العسكر، وكانوا يدركون جيدًا مقولة ستانيساو أندرزيوفسكي:

ما دامت الحكومة تحتفظ بولاء القوات المسلحة، فلا يمكن لأي ثورة أن تنجح.

فهم لا يريدون التعويل على الجيش النظامي حتى لا يُعاود الكَرَّةِ مرة أخرى ويقوم بانقلاب عسكري، كما حدث في انقلاب 19 أغسطس (آب) من عام 1953 على حكومة محمد مصدق المُنتخبة، وكان نتيجة هذا الانقلاب إعادة شاه إيران مرة أخرى إلى سدة الحكم، وإحباط حلم الجماهير.

فطاردت جموع الثوار العسكر في الشوارع، فبعد شهر من انتصار الثورة، أعدم ما يزيد عن 30 جنرالًا، وبعد ما يُقارب العام أعدم أكثر من 200 قيادي بالقوات المسلحة الإيرانية على يد المحاكم الثورية. وكانت الظروف تتهيأ لطارئ جديد على ميدان الثورة، وفي خضم ذلك كلهُ كانت الولادة المُلحّة والمُتعثرة للحرس الثوري الإيراني، الذي تكون في بادئ الأمر من بعض المليشيات غير النظامية (فدائيي المدن والمسلحين التابعين لرجال الدين، والمسلحين المستقلين والثوريين الموالين للخُميني، بجانب الجنود الفارين من الجيش الإيراني).

فكانت ولادة الحرس الثوري بطشة أخرى للجيش النظامي، وبمثابة توطيد ركن آخر من أركان الثورة ومبادئها وقادتها وحَرَسِها، وقد قال روح الله الخُميني عن الحارس الأول للثورة:

لولا حُراس الثورة لَما كانت الدولة.

نعود لواقعنا العربي، فهناك قول سمج لبعض كلاب الأنظمة الجائرة ويعلمه جميع الثوار، بل تعلمه عامة الشعوب العربية بلُغتِنا الدارجة المصرية «عاوزين بلدنا تبقى زي سوريا والعراق وليبيا».

ولكن على أقل تقدير، يجب أن يُدرك المجندون أنهم أبناء الشعب الذين يُؤمرون بقتلهِ، ووجب عليهم أن ينحازوا لهُ ويُحبِطوا القيادات العسكرية في كل الدول التي تُريد قتل حلم الجماهير في العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.

وكل هذا ما لم يُدرِكهُ الثوار في الدول التي أينعت بها ثوارات الربيع العربي، لا سيما بلدي مصر، التي ترك ثوارها الميادين عقب سقوط نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك. ولا أقول هذا كله من ذكر أخطاء الثوار، ولا أدعو لتكوين ميليشيات مسلحة، أو البطش بالجيوش النظامية بالدول التي كانت مهد الربيع العربي وفشلت بها الثورة كمصر!

نعم فشلت الثورة لا جدال في ذلك؛ فالثورة الناجحة ليست التي تُسقط نظام طاغية وتُحيي آخر لعدم وضوح الرؤية، أو لقلة الخبرة، أو حتى الاستقطابات، أو بيع البعض الثورة بأبخس الأثمان، وكأنها ثورة العجوة، فإذا أهلكنا الجوع أكلناها فأهلكناها، وكان حقًّا عليها أن تُهلِكنا، بل الثورة الناجحة هي من تُسقِط نظام طاغية فاسد، وتقتلع فلوله، وتأتي بنظام آخر جديد، يُحقق أهدافها، ويكون يدًا تَدُك جذوع أعدائها بالداخل، ويدًا أخرى قوية بالخارج، تنحر رقاب مُتربصيها وكل من يحاول وأدِها، لا سيما الغرب الذي لم يتوان لحظة في إفشالِها.

مُلخِصًا وإن شئنا النصيحة، نحتاج لثورة مثل الثورة الإيرانية، نحتاج لحرس يحمي هذه الثورة من انقلابات العسكر مثل الحرس الثوري الإيراني، لا سيما الشعوب، وتكون حصن هذه الثورة وحَرَسِها. نحتاج لمرشد أعلى للثورة، مثل روح الله الخُميني، وبرغم أن كل هؤلاء مُجرمون، لكن يعملون وفق أجندة خاصة بهم وبشعوبِهم؛ لذلك نحتاج لتطبيق نموذج الثورة الإيرانية.

وأخيرًا كانت الثورة الإسلامية الإيرانية آية وعبرة للثورة التونسية، والثورة السودانية، فلم يتركوا مجالًا للحكم العسكري أو أن تُهيمن المؤسسة العسكرية على حكم البلاد، أو أن تسوس العباد؛ فنصروا ثورتهم وكانوا حَرَسِها الثوري من العسكر، فكان حقًّا عليها أن تنصُرهم، فاعتبروا يا أولي الثوارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات