باتَ العراق اليوم بِفضل المشروع الإيراني، دولة ينخرُها الفساد والرشوة والمحسوبية الحزبية من جهةٍ، ومن جهةٍ أُخرى الميليشات المسلحة التي تُعرف بقوى اللادولة المُسيطرة على الدولةِ بقوةِ السلاح، والتي تحاول تأصيل مفهوم دخيل على العراق هو القبول بفكرة التمددُ الإيراني، وهذا يجعل من شباب وشابات وشيوخ العراق الأصلاء، المعتزين بتاريخِهم وعَراقةِ حضارتِهم ومجدِهم أصلب من الحديد في مواجهة الشر الإيراني.

لا يؤمن النظام الإيراني إطلاقًا بمدنيةِ الدولة واحترام الشؤون الداخلية لدول مجاورة لها، كالعراق، أو لدول لها فيها نفوذ، كلبنان، واليمن، وسوريا، بل يقوم دائمًا على فِكرة التدخُل في الشؤونِ الداخلية للدول حين تحين الفرصة، وتصدير الثورةِ المعروفةِ بالثورةِ الخُمينية 1979، لأي دولةٍ تدخلها، بوسائل مختلفة منها إحداث مشاكل داخل المجتمعات، وإنشاء دول موازية فيها تَعتدي على القانونِ ولا تَعترِف بهِ، كما هو حاصِل الآن في العراقِ، واليمن، وسوريا، ولبنان، وأضحت هذهِ الدول اليوم من أسوأ الدول في العالم من حيث انتشار الجريِمة، والفساد، والعصابات المسلحة.

كانت سنة 2014 سنةٌ فاصِلة في تاريخِ العراق السياسي، عندما احتل «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» مساحات واسعة من أرض العراق، إذ استغلَ النظام الإيراني تلك الأحداث المأساويةِ لصالحهِ، وأطلقَ العنان لحرسِه الثوري بتوسيع نشاطاتهِ، مُحولًا الانهيارْ الأمني إلى فرصة ذهبية لِتشكيل ميليشيات خارجة عن القانون ودعمِها بالاسلحةِ والأموال بحجة مواجهة «داعش»، وما أن انجلت الحرب على «داعش»، حتى أصبح المشروع الإيراني واضح المعالم والأهداف بشكلٍ لا يقبلُ الشكّ، وكان العمل على إبقاء العراق ضعيفًا مفتتًا تنتشر فيه العصابات والجريمة المُنَظمةِ والفساد هي من أبرز تلك الأهداف وأهمها لتحقيق ما يلي.

أولًا جعل العراق خط الدفاع الأول من أي هجوم محتمل، قد تتعرض له إيران من خصومها عن طريق الحفاظ على الانفلاتُ الأمني والفساد ونَشرُ الفُرقة بين مكونات مجتَمعهِ، فعدم استقرار العراق هو هدف رئيس لإيران لحرف الأنظار عن مشاريعهِا التدميرية ومشاكلها الداخلية.

ثانيًا العمل على إبقاء العراق محطمًا من الناحية الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، لجعلهِ باحة خلفية وسوق استهلاكي لتسويق منتجاتها، وخصوصًا بعد العقوبات الأمريكية؛ إذ ليس من مصلَحتِها تعافي العراق زراعيًا وصناعيًا، لأنه سيُشكل تهديدًا على منتجاتها الاستهلاكية التي باتت تَجتاح الأسواق العراقية، وبالتالي سينقطع عنها أهم مصادر الدخل والتمويل.

ثالثًا استنساخ تجربة الحرس الثوري في العراق وكان هدف مهم جدًا لتحقيق مآربها وأطماعها التوسعية فهم بحاجة إلى عصا غلِيظة تابعة لهم وخاضعة لأوامِرهم، وقد نَجحوا في ذلك عن طريق أحزاب الاسلام السياسي الشيعية في تقنين الميليشات المواليةُ لإيران وجعلها جزءًا من الدولة، كالفصائل التي تسمى بالمقاومة وتتخذ من الحشد الشعبي غطاءً سياسيًا وشرعيًا لها، وتأخُذُ مرتباتِها من الدولةِ العراقية، وتقف بالضدِ من مصالح العراق العُليا في استِهداف أيةُ مشاريع ممكن أن تجلب للعراقِ نموًا اقتصاديًا وأمنيًا، وتقومُ بإخضاعِ وقمعِ كلُ ثورةٍ شعبية تنطلق من رحم المعاناة مُطالبة بالتغيير وإنهاء التَسلُط الإيراني على العراق.

لم يقف العراقيونَ مكتوفي الأيدي أمامَ المشاريع الإيرانيةِ المزعزعة لأمنهم واستقرارهم، بل جاءَ الردُ عن طريقُ ثورةٌ شعبية في 10 محافضات عراقية، ولم تزل قائمةٌ حتى هذه اللحظة، وهي «ثورةُ تِشرين» بالضدِ من التمدد الإيراني في العراق لإنهاءِ وجود ميليشاتهِ التي باتت تفتكُ بالعراقيين خطفًا وقتلًا وقصفًا بِصواريخ الكاتيوشا، بالرغم من شراسة الأساليب التي تمارسها الميليشيات الولائية، التي أودت بحياةِ ما يُقارب 20 ألف جريح، وأكثر من 700 شهيد، وكان الاستهداف مُنصبًا على الكفاءاتِ والطبقات العراقية المثقفة في وسط وجنوب العراق من عمليات خطف، واغتيال بالكواتمِ، وكان من أبرز الضحايا الباحث الإستراتيجي الدكتور هشام الهاشمي، الدكتورة رهام يعقوب، الإعلامي أحمد عبد الصمد، والناشط المدني تحسين أسامة، والناشط المدني سجاد العراقي، وقبلهم الدكتور والروائي الكبير علاء مشذوب، وغيرهم المئات من الناشطين والأدباء والإعلاميين العراقيين المناهظين للوجود الإيراني ومشروع اللادولة الذي يُراد تطبيقهُ من قبل إيران في العراق على غِرار مشروعِهم في لبنان المتمثل بِحزب الله وفي اليمن المتمثل بالحوثيين.

أدرك العراقيون وخصوصًا وَسط وجنوب العراق، أن المشاريع الإيرانية هي مشاريع موت ودمار وإخضاع لهم، لِذلك جاءت مقاومة مشاريعها التوسعية، بشراسة من قبل المجتمع العراقي، فالخُطة الإيرانية بخلق عدو وهمي وتأسيس مفهوم مقاوم له في العراق أصبحَ واضحًا وجليًا أمام جميع العراقيين، فألاعيب النظام الإيراني لم تعد تنطلي على العراقيين إطلاقًا. وتحديًا لإرادة العراقيين لم تكتفِ إيران بزعزعة أمن واستقرارُ العراق عبر ميليشاتها وأدواتهِا في العراق، بل عمدت إلى مُحاربة الاستثمار الخارجي من أجل تقويضِ أيةُ أمل ٍ في نهوضِ العراق واسترجاعِ مكانتهِ الطبيعية كلاعب أساسي في المنطقةِ، إيران لا تُريدُ العراق أن يكون مستقلًا اقتصاديًا وعلى علاقةٍ مع ودية مع مُحيطهِ العربي؛ لأن ذلك يعني خروجهِ تدريجيًا من قبضتِها، وبِالتالي أوعَزت إلى ميليشاتها بِرفض الاستِثمار السعودي في استِصلاح الأراضي العراقية الواسِعة وزراعتِها، حيثُ أصدرت الميليشيات بياناتِها في استنكار الخطوات السعودية في الاستِثمار داخل العراق، تِلك الخطوات التي يعتبُرها الشعب العراقي إيجابية لمد جسور التعاون بين الشعبيين العربيين العراقي والسعودي، فانبرى كلُ من قيس الخزعلي قائد ميليشيا عصائب أهلِ الحق ونوري المالكي رئيس وزراءِ العراق السابق المحسوبِ على إيران في أصدار بيانات واهية من أجل تعطيل الخطوات السعودية في العراق، كي لا ينهضُ العراق، أو يمتلك أي قوة ربما قد تخلصهُ فيما بعد من النفوذ والهيمنة الإيرانية.

ولِفهم معارضة الميليشات الولائية في العراق لأي استثمارات تُصلِح حال الاقتصاد العراقي على الاقل زراعيًا وصناعيًا، القاء نظرة على حجم السلع الاستهلاكية الإيرانية في العراق، حيث قال مهدي أشرفي رئيس مصلحة الجمارك الإيرانية في تصريح صحافي بتاريخ 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020: إن العراق تبوأَ المرتبةِ الأولى في توريد السلع الإيرانية خلال السبعةُ أشهر الماضية بما قيمتهُ 4.8 مليار دولار بين 20 يوليو (أذار) إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول) الماضييّن فقط، ومن هنا يفهم المواطن العراقي لِماذا تحارب إيران أي تحسُن أمني أو اقتصادي يساعده على تطوير إمكاناتهِ، ويخلصهُ من هيمنةُ السلع الاستهلاكية الإيرانية، ولِماذا تقوم الأحزاب الموالية لها بالتهويل والترويج ضد الاستثمارية الخليجية في العراق، «إذا عُرِفَ السبب بطل العجب».

لم يبق الكثيرُ من الوقتِ لإنقاذ العراق من كارثة تقف على الأبواب، ما لم يُوضعُ حدٍ لِتلكَ المشاريعُ الإيرانية الخبيثةُ في العراق، فالحربُ اليوم على الميليشاتِ باتَت ضرورةً مُلِحة لإحكام الأمن على الوضع الداخلي، فلا يُمكن لأي مستثمرٍ أن يُخاطر بإموالهِ داخل العراق، ما لم يكُن هُناك أمن داخلي يقي الاستثمارات من تهديد الميلشيات، فبدون الاستثمار الخارجي لن يتعافى الاقتِصاد العراقي في ظل تدني أسعار النفط والركود الاقتصادي الحاصل جراء وباء كورونا، العراق اليوم بحاجةٍ ماسة إلى مُكافحةِ الجرائِم التي تُمارِسها الميليشات من قصف السفارات التي دائِمًا ما تكون ضحاياها من المدنيين والأطفال كما حصل في الرِضوانية قرب مطار بغداد في 30 سبتمبر (أيلول)، والتي راح ضحيتُها امرأتان وخمسة أطفال من عائِلة واحدة، وكذلكَ في 17 نوفمبر، والتي ذهب ضحيتهُا طفلة وخمسة مصابين بجروح خطيرة في قصف صاروخي استهدف الخضراء بسبعة صواريخ، إضافة إلى الأعمال الإجرامية من تهريب مخدرات، ومتاجرة بالسلاح، واغتيال بالكواتم لكل من يقف ضدها أو ضد الاحتلال الإيراني شبه الرسمي للعراق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد